الجيش السوري الجديد.. من حارس السلطة إلى حارس الوطن

0 14

ليست مهمة بناء الجيش السوري الجديد مجرد إعادة تنظيم تشكيلات عسكرية، أو دمج وحدات، أو تحديث السلاح والتدريب، وإنما هي قبل ذلك إعادة تعريف العلاقة بين المؤسسة العسكرية والدولة والمجتمع، فالجيش الذي تريد سورية أن تبنيه اليوم ليس جيش سلطة تبحث عن حماية بقائها، لأن السلطة اليوم وببساطة هي من نسيج ثورة الشعب السوري.

ولا جيش حزب أو أيديولوجيا سياسية، ولا مؤسسة مغلقة على نفسها، وإنما جيش وطني تكون سورية مرجعيته العليا، ويكون ولاؤه للدولة والشعب والدستور، بعيداً عن الأشخاص والأحزاب والتيارات.

وهنا تكمن إحدى أهم دلالات التحولات التي تشهدها سورية في مرحلة الدولة الجديدة بقيادة الرئيس أحمد الشرع. فالإصلاح الذي يجري في مؤسسات الدولة لا ينفصل عن إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس مختلفة جذرياً عن تلك التي حكمتها لعقود.

لقد ورثت الدولة الجديدة تركة ثقيلة، كان الجيش خلالها قد ابتعد تدريجياً عن وظيفته الطبيعية بوصفه مؤسسة وطنية لحماية البلاد، وتحول في مراحل كثيرة إلى أداة لحماية النظام وقمع المجتمع، فيما تسللت إلى داخله أشكال متعددة من الفساد والمحسوبية والرشوة واستغلال النفوذ. ولم تكن المشكلة في ذلك مقتصرة على القرار السياسي والعسكري الأعلى، بل وصلت إلى تفاصيل الحياة اليومية للعسكري.

فثقافة (التفييش) التي جعلت بعض المجندين يدفعون المال مقابل عدم الالتحاق بالقطعة العسكرية، أو يعملون خارج المؤسسة العسكرية بمقابل يدفع لقائد أو مسؤول، كانت تعبيراً صارخاً عن انهيار مفهوم الخدمة العسكرية وتحولها من واجب وطني إلى سوق للمصالح. وحتى الطعام المخصص للعسكريين لم يسلم من الفساد والسرقة، بينما كانت كرامة العسكري كثيراً ما تتراجع أمام سلطة الرتبة والنفوذ.

لهذا فإن بناء جيش وطني يبدأ من الإنسان قبل السلاح. العسكري الذي يشعر أن المؤسسة التي يخدم فيها تحترم كرامته، وتؤمن له حقوقه، وتساوي بينه وبين زميله في الواجب والرعاية، وتمنحه غذاءً لائقاً ورعاية صحية وظروف خدمة عادلة، سيكون أكثر ارتباطاً بمؤسسته وأكثر استعداداً للدفاع عن وطنه.

ومن هنا فإن ما نشهده اليوم من توجه نحو ترسيخ معايير أكثر عدالة في التعامل مع العسكريين، بحيث لا يكون طعام المجند أقل من طعام الضابط، ليس تفصيلاً إدارياً هامشياً، بل جزء من بناء ثقافة عسكرية جديدة عنوانها أن الرتبة تمنح صاحبها مسؤولية أكبر، ولا تمنحه حقاً في إهانة من هم دونه أو استغلالهم.

والفارق الجوهري أن الجيش الوطني لا يحتاج إلى أيديولوجيا حزبية كي يحافظ على تماسكه؛ بل يحتاج إلى عقيدة عسكرية وطنية واضحة، وعقيدة تقول إن العدو هو من يهدد سورية وأمنها وسيادتها، وإن مهمة العسكري حماية حدود البلاد وشعبها ومؤسساتها، لا حماية فرد أو عائلة أو حزب.

ومن هنا فإن تحصين الجيش من التبعية السياسية لا يعني عزله عن الدولة، بل يعني العكس تماماً: وضعه داخل الدولة وتحت سلطتها الشرعية، مع تحييده عن الصراع الحزبي والسياسي. وهذا يتطلب بناء منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الضباط والكوادر وفق الكفاءة والنزاهة، وتستمر عبر تعليم عسكري حديث، وترقيات تستند إلى الاستحقاق والقدرة، ورقابة مالية وإدارية صارمة، وتجريم استغلال الرتبة والنفوذ، وإيجاد آليات واضحة لمحاسبة أي عسكري مهما علت رتبته. فالجيش الذي لا يحاسب الفاسد داخله معرّض لأن تتحول المؤسسة نفسها إلى بيئة تعيد إنتاج الفساد الذي جاءت الدولة الجديدة لمحاربته.

ومن أهم المؤشرات على أن الإصلاح العسكري السوري بدأ يأخذ بُعداً مؤسسياً لا مجرد إجراءات مؤقتة، يأتي إنشاء الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية بموجب المرسوم رقم 147 لعام 2026 الصادر عن الرئيس أحمد الشرع. فالجامعة تجمع الأكاديمية العسكرية العليا، بما فيها كلية الدفاع الوطني وكلية الحرب العليا وكلية القيادة والأركان، إلى جانب الكليات الحربية البرية والجوية والبحرية، وكلية العلوم الإنسانية والإدارية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمعاهد التقانية العسكرية.

وهذه الخطوة تتجاوز إعادة تسمية المؤسسات التعليمية العسكرية، لأنها تفتح الباب أمام توطين المعرفة العسكرية والعلمية داخل الدولة السورية، وإعداد ضباط يمتلكون المعرفة العسكرية إلى جانب العلوم الهندسية والتكنولوجية الحديثة. وقد أكدت وزارة الدفاع أن الجامعة ستعتمد أحدث ما توصلت إليه الجيوش في مجالات العلم والتقنية، بما في ذلك إعداد ضباط مهندسين قادرين على التعامل مع الأعتدة وتطويرها، وصولاً إلى تعزيز القدرة على بناء قاعدة صناعات دفاعية سورية.

وهنا يصبح الجيش الوطني مشروعاً علمياً أيضاً، لا مجرد مشروع قتالي، فالجيوش الحديثة لا تقاس فقط بعدد الجنود والمدافع، وإنما بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير التكنولوجيا، وحماية أمنها السيبراني، وتوظيف الذكاء الاصطناعي والاتصالات والهندسة والطيران والعلوم التطبيقية في خدمة الدفاع الوطني.

كما أن سورية الجديدة لا تبني جيشها في عزلة عن العالم. فالاستفادة من خبرات الدول الشقيقة والصديقة، وتبادل الخبرات والتدريب، والتعاون في مكافحة الإرهاب، والتشبيك مع المنظومة الدولية في المجالات الأمنية والدفاعية، يمكن أن يمنح المؤسسة العسكرية السورية فرصة لاستعادة مكانتها المهنية، شرط أن يبقى التعاون الخارجي تعاوناً يخدم القرار الوطني ولا يتحول إلى تبعية جديدة. فكما أن الجيش السوري لا ينبغي أن يكون تابعاً لإيران أو لأي محور إقليمي، فإنه لا ينبغي أن يستبدل تبعية بتبعية أخرى.

الانفتاح الدولي الذي تنتهجه سورية الجديدة يجب أن يكون أداة لبناء القوة الوطنية، لا مدخلاً إلى الارتهان. من هنا نرى كيف أن الدولة السورية الجديدة تبتعد عن الارتهان لسياسة المحاور، كما أنها تترك الباب مفتوحاً للتنوع في علاقاتها الخارجية. وهذا ينسجم مع التحول الأوسع الذي تشهده البلاد، من دولة كانت تدور في محور إقليمي واحد، إلى دولة تعيد بناء علاقاتها مع محيطها العربي ومع المجتمع الدولي على أساس المصالح المشتركة والسيادة الوطنية.

كما أن استعادة مؤسسات الدولة لدورها، وتحسين الخدمات، وإعادة تأهيل المشافي والطرق والبنية التحتية، ومواجهة شبكات الفساد وتجارة المخدرات والكبتاغون التي ازدهرت في عهد النظام المخلوع وحلفائه، كلها أجزاء من عملية واحدة عنوانها استعادة الدولة لوظيفتها الطبيعية.

وفي النهاية، فإن الجيش الوطني السوري الذي تحتاجه سورية ليس الجيش الذي «لا يتدخل في السياسة» بالمعنى الضيق فقط، بل الجيش الذي لا يملك مشروعاً سياسياً خاصاً به أصلاً. جيش لا ينافس الدولة على قرارها، ولا يخضع لحزب، ولا يعبد قائداً، ولا يحمي سلطة من المجتمع، ولا يسمح بتحويل الرتبة إلى امتياز شخصي. جيش يعرف أن قوته الحقيقية لا تأتي من خوف المواطن منه، وإنما من ثقة المواطن به.

وإذا نجحت سورية في ترسيخ هذه القاعدة، فإنها لن تكون قد أعادت بناء مؤسسة عسكرية فحسب، بل تكون قد قطعت الطريق أمام عودة النموذج الذي جعل الجيش في الماضي جزءاً من أزمة الدولة بدلاً من أن يكون أحد أهم أعمدتها. فالجيش الوطني الحقيقي لا يحرس شخصاً، وإنما يحرس وطناً؛ ولا يستمد شرعيته من قوة السلطة، وإنما من قوة الدولة التي ينتمي إليها. وفي سورية الجديدة، يبدو أن إعادة بناء هذه العلاقة بين الجيش والوطن قد بدأت تتحول من شعار سياسي إلى مسار مؤسسي وعلمي له أدواته ومؤسساته.

ولذلك فإن السؤال الذي تواجهه سورية اليوم لا يتعلق فقط بكيفية بناء جيش أقوى وأكثر كفاءة، وإنما بالسؤال الأهم: أي جيش نريد لسورية المستقبل؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تفرض أولاً تجاوز النموذج الذي عرفته سورية طوال عقود، حين جرى اختزال المؤسسة العسكرية تدريجياً في وظيفة حماية السلطة السياسية، حتى أصبح الولاء للأشخاص والأجهزة والأطر الحزبية والأمنية يتقدم في أحيان كثيرة على الولاء للوطن. ولم تكن هذه المشكلة مجرد انحراف في العقيدة العسكرية، بل كانت نتيجة بنية متكاملة جعلت الجيش جزءاً من منظومة السلطة، بدلاً من أن يكون مؤسسة وطنية فوق التجاذبات السياسية.

لقد استخدم نظام المخلوع بشار الأسد، كما فعل نظام أبوه من قبله، القوة العسكرية والأمنية في مواجهة المجتمع وقمع الحريات والاحتجاجات السلمية، وتحولت المؤسسة العسكرية في مراحل طويلة إلى إحدى أدوات الحفاظ على النظام.

وفي المستوى الأدنى من الهرم العسكري، أنتجت تلك البيئة أنماطاً من الفساد والإفساد أضرت بصورة المؤسسة نفسها، من المحسوبيات والرشوة إلى ظاهرة (التفييش)، حيث كان بعض المجندين يدفعون مبالغ مالية مقابل عدم الالتحاق بوحداتهم، أو مقابل السماح لهم بالعمل خارج المؤسسة العسكرية، بينما كانت حقوق العسكري وكرامته تتراجع أمام سلطة الرتبة والنفوذ. وحين يصبح العسكري قادراً على شراء إعفائه من واجبه، أو يصبح طعام المجند وحقوقه مجالاً للسرقة والاستغلال، فإن المشكلة لا تعود فساداً فردياً، وإنما تتحول إلى خلل في فلسفة المؤسسة العسكرية ذاتها. فالجيش المحترف لا يبدأ من السلاح، وإنما من احترام الإنسان الذي يحمل هذا السلاح.

غير أن بناء الجيش السوري الجديد لا يجري في فراغ، وإنما في بيئة ما زالت تحمل بعض آثار المرحلة السابقة، وفي مقدمتها انتشار السلاح خارج الإطار المؤسسي للدولة، ووجود قوى مسلحة تحاول الاحتفاظ بهامش من الاستقلال عن القرار الوطني. وهذه من أكثر القضايا حساسية في عملية بناء الدولة، لأن احتكار الدولة للسلاح ليس امتيازاً تمنحه لنفسها، وإنما هو أحد الشروط الأساسية لقيام الدولة الحديثة واستقرارها.

وتواجه سورية في هذا السياق تحديات متعددة، من الجنوب حيث ما تزال بعض التشكيلات المسلحة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها خارج الإطار الوطني، في ظل ارتباطات ومصالح إقليمية متشابكة، إلى الشمال الشرقي حيث توجد قوى مرتبطة تاريخياً بتنظيم حزب العمال الكردستاني، وتحاول بعض مكوناتها عرقلة مسار إنهاء الحالة الفصائلية والاندماج الكامل في مؤسسات الدولة. وفي الحالتين، لا ينبغي النظر إلى المسألة من زاوية صراع بين مكونات سورية، وإنما من زاوية واحدة هي مصلحة الدولة السورية ووحدتها وسيادتها.

ومن هنا تكتسب التفاهمات التي تقود إلى دمج القوى المسلحة في مؤسسات الدولة أهمية تتجاوز الجانب العسكري المباشر، فهي تعني الانتقال من منطق الفصائل والمناطق إلى منطق الدولة الواحدة، ومن تعدد مراكز القوة إلى مركز شرعي واحد للقرار العسكري والأمني. وهذا لا يعني إقصاء أبناء أي منطقة أو مكون، بل يعني تحويل الانتماء المحلي أو الفصائلي إلى انتماء وطني مؤسسي، بحيث يصبح السلاح الذي يحمله السوري جزءاً من منظومة الدفاع عن سورية، لا أداة لحماية مشروع سياسي أو ارتباط خارجي.

وهنا تحديداً تظهر أهمية الجيش الجديد. فإن إنهاء ظاهرة السلاح المنفلت لا يمكن أن يكون مجرد إجراء أمني، وإنما يجب أن يكون جزءاً من مشروع وطني متكامل لإعادة بناء الدولة. فكلما نجحت الدولة في استيعاب أبناء المناطق المختلفة داخل مؤسساتها العسكرية والأمنية على أساس الكفاءة والمواطنة، تراجعت الحاجة إلى السلاح الموازي، وتراجع معه نفوذ القوى التي تستمد قوتها من وجود فراغ مؤسسي أو من ارتباطات خارج الحدود.

إن بناء جيش سورية الجديدة ليس مجرد شعار سياسي، بل هو عملية هندسة مؤسسية متكاملة يتم العمل فيها على تحرير المؤسسة العسكرية من موروثات العقود الماضية، وعلى ترسيخ ثقافة المواطنة والكفاءة، وتدعيمها بالعلوم والمعرفة الدفاعية. إن الجيش الذي يحمي الوطن ولا يحكمه، ويصون كرامة المواطن ولا يقمعه، هو الضمانة الوحيدة لسورية الجديدة الحرة، المستقلة، والآمنة.

ولهذا فإن المعنى الأعمق لإعادة بناء الجيش السوري لا يكمن في تغيير الزي أو أسماء التشكيلات، وإنما في تغيير العلاقة بين القوة والدولة: أن يتحول الجيش من أداة في يد السلطة إلى مؤسسة في يد الدولة، ومن حارس للنظام إلى حارس للوطن، ومن قوة تستمد هيبتها من الخوف إلى قوة تستمد شرعيتها من ثقة السوريين بها.

إن سورية لا تعيد بناء جيشها من أجل مرحلة سياسية عابرة، وإنما من أجل دولة تستمر. وعندما يصبح العسكري مواطناً يؤدي واجبه بكرامة، ويصبح الضابط قائداً بالكفاءة والمسؤولية، ويصبح السلاح جزءاً من مؤسسة وطنية واحدة، فإن الجيش يكون قد استعاد وظيفته الأهم، وهي (حماية الوطن ومنجزات الثورة). وهنا لا يعود بناء الجيش مجرد إصلاح لمؤسسة عسكرية، بل يصبح أحد أهم تعبيرات استعادة الدولة السورية لذاتها، ولقدرتها على حماية شعبها وصون سيادتها وصناعة مستقبلها.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني