
قانون الأحزاب ضرورة لبناء حياة سياسية وطنية في سوريا
في المراحل المفصلية التي تمر بها الدول لا يكون بناء المؤسسات السياسية ترفاً أو قضية مؤجلة، بل يصبح جزءاً أساسياً من عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع. وسوريا اليوم بحاجة إلى إعادة تنظيم حياتها السياسية على أسس جديدة تفتح المجال أمام المشاركة الشعبية وتمنح المواطن دوراً حقيقياً في صناعة القرار. وفي هذا السياق تبرز أهمية وجود قانون وطني وعصري للأحزاب السياسية يكون قادراً على تنظيم العمل الحزبي وحماية التعددية وضمان أن يكون التنافس السياسي وسيلة لبناء الدولة لا سبباً للانقسام.
إن الحياة السياسية من دون أحزاب فاعلة ومنظمة تبقى ناقصة مهما كانت القوانين والمؤسسات القائمة. فالأحزاب تشكل مساحة طبيعية للتعبير عن الأفكار والمواقف وتساعد المواطنين على الانتقال من حالة المتلقي إلى حالة الشريك في الشأن العام. ولذلك فإن وجود قانون واضح للأحزاب يجب أن يضمن حق المواطنين في التنظيم السياسي وأن يوفر لجميع القوى الوطنية فرصاً متساوية للمشاركة والتنافس.
لكن المطلوب في الحالة السورية ليس مجرد قانون يسمح بتأسيس الأحزاب وإنما قانون يؤسس لثقافة سياسية جديدة. ثقافة تقوم على المواطنة أولاً وعلى اعتبار سوريا وطناً لجميع أبنائها بعيداً عن أي تمييز طائفي أو مذهبي أو قومي أو مناطقي. فالحزب الذي يحمل مشروعاً وطنياً حقيقياً يجب أن يخاطب السوريين جميعاً وأن يضع المصلحة العامة فوق المصالح الفئوية وأن يؤمن بأن التنوع السوري يمكن أن يكون عنصر قوة في بناء الدولة.
كما أن القانون المنتظر يجب أن يضع قواعد واضحة وشفافة لتمويل الأحزاب ونشاطها وعلاقتها بمؤسسات الدولة وأن يمنع استخدام المال السياسي أو النفوذ أو مؤسسات الدولة للتأثير في المنافسة السياسية. فالتعددية لا تكون حقيقية إذا لم تتوفر للأحزاب فرص متكافئة وإذا لم يكن المواطن قادراً على اختيار ممثليه بحرية بعيداً عن الضغوط.
ومن المهم كذلك أن يفتح القانون الباب أمام أحزاب تقوم على البرامج والسياسات لا على الأشخاص والشعارات. فسوريا تحتاج إلى قوى سياسية تقدم حلولاً واقعية لقضايا الاقتصاد والتنمية والتعليم والصحة والخدمات وإعادة الإعمار وتعزيز سيادة القانون. كما تحتاج إلى أحزاب قادرة على ممارسة المعارضة بصورة مسؤولة وعلى تقديم النقد دون تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة وطنية.
إن تنظيم الحياة الحزبية يمكن أن يساعد أيضاً في نقل الخلافات السياسية من الشارع إلى المؤسسات ومن الصراع إلى الحوار. فحين تتوفر قنوات سياسية وقانونية للتعبير عن الاختلاف يصبح التنافس وسيلة سلمية لتداول الأفكار ومحاسبة المسؤولين وتطوير أداء الدولة.
وفي النهاية فإن قانون الأحزاب السياسية الوطنية ليس مجرد قانون لتنظيم نشاط مجموعة من المواطنين بل هو أحد القوانين التي يمكن أن تسهم في رسم شكل الحياة السياسية السورية في المرحلة المقبلة. وإذا أريد لهذا القانون أن ينجح فعليه أن يحمي الحرية السياسية ويضمن التعددية ويكرس مبدأ المواطنة ويضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار. فسوريا لا تحتاج إلى أحزاب تزيد الانقسام وإنما إلى أحزاب تساعد على جمع السوريين حول مشروع دولة واحدة قوية وعادلة يتساوى فيها المواطنون في الحقوق والواجبات ويكون فيها الاختلاف السياسي طريقاً للتنافس والبناء لا للصراع والهدم.