
سوريا تحتاج أحزاباً
في سوريا الجديدة، لا تبدو الحاجة إلى الأحزاب السياسية ترفاً أو تفصيلاً يمكن تأجيله، بل هي جزء أساسي من بناء حياة سياسية طبيعية، لأن المجتمع الذي خرج من سنوات طويلة من الصراع والانقسام يحتاج إلى أدوات سلمية لتنظيم اختلافاته وتحويلها من مصدر للتوتر إلى مصدر للتنافس والإنتاج. والحزب، في جوهره، ليس مجرد مجموعة تسعى إلى الوصول إلى السلطة، وإنما فكرة وبرنامج ورؤية لكيفية إدارة الدولة والمجتمع.
وتحمل التجربة السورية القديمة ما يستحق التوقف عنده. ففي خمسينيات القرن الماضي كانت الحياة الحزبية أكثر حيوية مما يتخيله كثيرون اليوم، وظهرت أحزاب واتجاهات سياسية متعددة، من التيارات الوطنية والليبرالية إلى البعثيين والشيوعيين والإخوان المسلمين والقوميين السوريين وغيرهم. وكانت الصحافة والبرلمان والنقابات والجامعات ساحات حقيقية للنقاش السياسي والفكري. ورغم أن تلك التجربة لم تكن خالية من الصراعات والأخطاء، فإنها ساهمت في إدخال قطاعات واسعة من السوريين إلى المجال العام، ودفعتهم إلى الاهتمام بالشأن السياسي والاقتصادي والاجتماعي.
كانت الأحزاب في تلك المرحلة تعبر، بدرجات مختلفة، عن أسئلة المجتمع آنذاك: الاستقلال، والعدالة الاجتماعية، والتنمية، وقضية فلسطين، وعلاقة سوريا بالعالم العربي، ودور الدولة في الاقتصاد. وبذلك لم تكن الحياة الحزبية منفصلة عن المجتمع، بل كانت إحدى الوسائل التي عبر من خلالها السوريون عن طموحاتهم ومخاوفهم وتطلعاتهم.
لكن سوريا الجديدة تحتاج إلى الاستفادة من تلك التجربة دون استنساخها. فالعالم تغير، والمجتمع السوري نفسه تغير، والأولويات أصبحت أكثر ارتباطاً بإعادة بناء الدولة والاقتصاد والتعليم والصحة والبنية التحتية وخلق فرص العمل.
وهنا تبرز المسألة الأكثر حساسية في مستقبل الحياة السياسية السورية: هل تستطيع السلطة الانتقالية أن تقبل فعلاً بقيام أحزاب مستقلة وقوية، أم أنها ستنظر إليها باعتبارها منافساً يجب احتواؤه؟ فالديمقراطية لا تبدأ عندما تجري الانتخابات فقط، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير، عندما تسمح السلطة بوجود قوى سياسية مختلفة عنها، وتمكّنها من تنظيم نفسها والتعبير عن برامجها والوصول إلى المواطنين بحرية.
فوجود الأحزاب ليس مجرد مظهر من مظاهر الديمقراطية، بل هو شرط واجب لإنتاج دولة ديمقراطية حقيقية. فالانتخابات وحدها لا تكفي إذا لم يجد المواطن أمامه خيارات سياسية متعددة، وإذا لم تكن هناك قوى منظمة تستطيع تقديم البدائل ومراقبة السلطة ومساءلتها. وإذا كانت السلطة الانتقالية جادة في بناء دولة ديمقراطية، فعليها أن تدرك أن الأحزاب ليست تهديداً لشرعيتها، بل إحدى الأدوات التي تمنح هذه الشرعية مستقبلاً أساساً شعبياً ودستورياً.
أما إذا جرى تأجيل تشكيل الأحزاب أو وضع قيود تجعلها ضعيفة وغير قادرة على المنافسة، فقد نجد أنفسنا أمام نظام سياسي جديد في شكله، لكنه يعيد إنتاج فكرة احتكار القرار بصيغة مختلفة. ولهذا فإن قدرة السلطة الانتقالية على فتح المجال السياسي، وقبول النقد، والسماح بتشكيل أحزاب حقيقية قادرة على منافستها، ستكون واحدة من أهم الاختبارات التي ستكشف مدى استعدادها للانتقال من سلطة تدير مرحلة انتقالية إلى دولة ديمقراطية تتسع للجميع.
ومن هنا تأتي أهمية أن تكون الأحزاب الجديدة أحزاب برامج لا أحزاب أيديولوجيات مغلقة. فالسوري اليوم يحتاج إلى حزب يقول له بوضوح: كيف سنخلق فرص العمل؟ كيف سنجذب الاستثمار؟ كيف سنعيد بناء المدن؟ ما رؤيتنا للتعليم؟ كيف سنحمي الحريات؟ وكيف سنحقق العدالة الاجتماعية؟ وما تصورنا للعلاقة بين الدولة والقطاع الخاص؟
يمكن أن يكون التنافس بين الأحزاب في سوريا الجديدة شبيهاً بالتنافس الإيجابي في الاقتصاد والثقافة والمجتمع. حزب يقدم برنامجاً اقتصادياً أكثر قدرة على خلق الوظائف، وآخر يركز على التعليم والابتكار، وثالث يعطي الأولوية للعدالة الاجتماعية، ورابع يطرح رؤية أكثر انفتاحاً في الثقافة والحريات. وفي النهاية يختار المواطن البرنامج الذي يراه أقرب إلى مصالحه، لا الهوية الأيديولوجية التي ينتمي إليها الحزب.
والخشية هنا مشروعة من أن تتحول الأحزاب الجديدة إلى امتداد لصراعات الماضي، أو إلى كيانات دينية أو قومية أو أيديولوجية مغلقة تعيد إنتاج الانقسام. لذلك فإن نجاح التجربة الحزبية يتطلب قانوناً عادلاً يضمن حرية التنظيم، ويمنع العنف والتحريض والتمييز، ويجعل المواطن والبرنامج والانتخاب أساس العمل السياسي.
سوريا الجديدة لا تحتاج إلى حزب واحد يتحدث باسم الجميع، بل إلى أحزاب متعددة تتنافس في خدمة الجميع. وعندما يصبح الاختلاف بين السوريين اختلافاً حول أفضل برنامج للاقتصاد والتعليم والثقافة والخدمات، لا اختلافاً حول الهوية والانتماء، تكون البلاد قد خطت خطوة حقيقية نحو دولة طبيعية، يكون فيها صندوق الاقتراع بديلاً عن الشارع، والبرنامج بديلاً عن الشعارات، والمنافسة بديلاً عن الصراع.