
الحزبية خيار وليست قدراً للتنمية
السؤال: هل إصدار قانون للأحزاب يسهل وينعش الحياة الديمقراطية والتنمية أم أن الديمقراطية ذاتها لها نهجها المستقل وتنعش المجتمع بوجود الأحزاب أو عدمه.
1- الحزبية ليست شرطاً للتنمية
الحرية والديمقراطية هي الأساس للتنمية والحق، أي أن تنظيم الأفراد في مجموعات سياسية وفكرية ذات لون واحد ليس فرضاً أو قدراً، أو أنه مفروض بقوة السلطة أو بموافقتها وإنما هي خيار الأفراد الأحرار في بلد حر وديمقراطي لينظموا أنفسهم من أجل الدفاع عن أفكارهم وقناعاتهم أمام المجتمع.
عندما يعيش الشعب في دولة حرة ديمقراطية فإن الحزبية ليست ضرورية لحدوث التنمية والرفاه الاجتماعي، لأن النهج الديمقراطي بذاته في الحكم سيفرز أفراداً يمثلون احتياجات وتطلعات المواطنين. بل إن بعض الدكتاتوريات حققت نمواً اقتصادياً كبيراً يفوق ما حققته بعض الدول الديمقراطية.
2- تجربة الحزبين في أمريكا فريدة
سوف نتحدث قليلاً عن الحزبين في أمريكا، أقدم ديمقراطية قائمة ومستمرة، بغض النظر عن الجدل الدائر حولها.
نحن نعرف أن الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت استقلالها عن بريطانيا عام 1776، ثم دخلت بحرب الاستقلال لمدة ثماني سنوات انتهت باعتراف الملك البريطاني باستقلال الولايات المتحدة.
الحزبية أثناء حرب الاستقلال كانت دموية، بمعنى الاصطفاف إلى جانب الملك ضد الثوار أو العكس.
وبعد تشكل الجمهورية ظهرت تيارات أكثر منها أحزاب، وتتبنى إما الفيدرالية القوية مثلاً، وإما تيار آخر (حزب) يعطي الولايات حقوقاً أكبر.
لقد حققت الولايات المتحدة الأمريكية الاستقرار والنمو الاقتصادي العام بدون وجود أحزاب مؤثرة فيها ولمدة نحو نصف قرن. وخلال 240 عاماً من الاستقلال لم يظهر هناك أكثر من حزبين اثنين مؤثرين، وهما حالياً، الحزب الجمهوري (تأسس عام 1960) والحزب الديمقراطي (اتأسس عام 1829) وهو وريث الحزب الجمهوري الديمقراطي الذي نشط عند الاستقلال مع أن هذا الحزب ظهر مبكراً عام 1792 إلا أنه كان مجموعة فكرية فلسفية أكثر منها سياسية، كما هو معروف اليوم.
الخلاصة من هذه الفقرة الأمريكية أن الحزبين الرئيسيين فيها لم ينشئها قانون أو أمر سياسي وإنما بقوة المجتمع، وديمومتهما منذ نحو 240 عاماً هو بسبب طبيعتهما المرنة، فهما لا يتبعان النمط “الهرمي” في أحزاب العالم وإنما النمط “الأفقي” الذي يسمح بالعضوية فيه والخروج منه بيسر وسهولة.
3- الأحزاب الدائمة ليست بقانون
الحزب في المعنى الديمقراطي هو رأي شريحة من الشعب، فمن قواعد حرية التعبير أن يشكل الناس تجمعاتهم السياسية والاجتماعية بحرية ودون قيود فقط مع ما يشبه تعبير (علم وخبر) فقط. وهو جمهوره يفرضه في الانتخابات. أما الأحزاب التي تنشأ وفقاً لقانون الأحزاب الذي تصدره السلطة القائمة فهو في النتيجة ليس أكثر من تقييد لجمهور مؤيد أو معارض ضمن قواعد تضعها السلطة الحاكمة بما يناسب فكرها السياسي. والتجارب تشير إلى أن كل الأحزاب التي أنشأتها السلطة أو رخصتها تموت، مع موت تلك السلطة.
المنطق هو السماح لكل أنواع الأحزاب
نعم، إذا كانت الدولة تطبق منهاج الحرية والديمقراطية بمعناها الإنساني والحقيقي الواسع، فإنها يجب أن تسمح بكل أنواع الأحزاب. أما أن تسمح بما يلائم فكرها السياسي فقط فإنها دولة زائفة. الدولة الحقيقية هي التي تسمح لكل أنواع الأحزاب بالتشكل مادامت لا تتبنى العنف ضد خصومها، سواء كانت أحزاباً سياسية أو دينية أو إثنية أو من النوع الحزبي المفتوح أو المغلق شريطة ألا تنتهك الدستور وتهدد السلم الأهلي.
المنع السياسي هو من يقوي الانتماء المتطرف أو الطائفي أو العرقي، أما التصارع السلمي والانفتاح هو من سيهدم كل العقول المغلقة ويعرضها للتهوية والاندماج الاجتماعي الدائم.
5- زبدة الكلام
العبرة ليست بإصدار قانون من السلطة القائمة بالسماح للأحزاب تحت ذريعة تنظيمها، فهذا الأمر تقوم به معظم حكومات العالم التي تدعي الديمقراطية.
العبرة بأن يشعر المواطن بأنه حر في التلاقي مع أقرانه فكرياً وسياسياً دون الخوف من قيام الحاكم بتفسير تصرفه أنه ينتقص من هيبة الدولة.
الحزب الفعلي ليس مجموعة عائلية تجتمع وتوقع حسب بنود قانون السلطة ليكون لديها تفويض شرعي بادعاء الديمقراطية، وإنما هو تيار شعبي يشبه النهر دائم الجريان ويتغير مساره بحسب الطبوغرافية.
وما هو العيب أن يكون هناك مئة حزب متنوع! أليست أفضل من حزب واحد ضخم يروج للسلطة القائمة؟ ألسنا في بلد الأحرار؟