سورية تعود إلى الخريطة.. حين تتحول الجغرافيا إلى قوة

0 16

ثمة لحظات في تاريخ الدول لا يكون التغيير فيها ناتجاً عن حدث واحد، بل عن تبدل تدريجي في الطريقة التي ينظر بها العالم إلى تلك الدولة وموقعها ووظيفتها.

وربما تكون سورية اليوم أمام واحدة من هذه اللحظات؛ فبعد سنوات طويلة كانت فيها الجغرافيا السورية مسرحاً لتقاطع الحروب والنفوذ والممرات غير الشرعية، بدأت ملامح أخرى تظهر في المشهد:

جغرافيا يمكن أن تصبح جسراً للتجارة والطاقة، وموقعاً تتقاطع عنده مصالح دول تبحث عن الاستقرار أكثر مما تبحث عن ساحات جديدة للصراع.

لم يتغير موقع سورية على الخريطة، ما تغير هو السياق الذي تُقرأ فيه هذه الجغرافيا.

فالعالم الذي كان ينظر إلى سورية طوال سنوات الحرب باعتبارها بؤرة للأزمة والنزوح والإرهاب وتعدد القوى المسلحة، بدأ ينظر إليها تدريجياً باعتبارها جزءاً من ترتيبات إقليمية أوسع.

وهذا التحول لا يمكن فصله عن استعادة الدولة السورية لمؤسساتها، ومحاولتها إعادة ضبط حدودها ومنافذها وقرارها الأمني، والانفتاح المتزايد على محيطها العربي والإقليمي والدولي.

الجغرافيا وحدها لا تصنع القوة، لكنها تصبح قوة عندما توجد دولة قادرة على حمايتها وإدارة مواردها وتحويل موقعها إلى مصالح اقتصادية وسياسية.

وهنا تكمن أهمية ما يجري في سورية اليوم.

فالتطورات العالمية الأخيرة أعادت إلى الواجهة مسألة الممرات الاستراتيجية بصورة لم تكن عليها قبل سنوات.

اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، وما ترتب عليه من ضغوط على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد، دفع دول المنطقة إلى إعادة التفكير في طرق نقل النفط والغاز والتجارة، والبحث عن مسارات أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً لمخاطر الاختناق الجغرافي.

ولعل الاتفاق العراقي ـ التركي الأخير بشأن تمديد تشغيل خط أنابيب النفط العراقي ـ التركي لمدة عام، مع السعي إلى رفع الصادرات عبر ميناء جيهان، يقدم مثالاً واضحاً على هذا الاتجاه نحو تنويع طرق الطاقة وتقليل الاعتماد على مسار واحد.

وقد جاء الاتفاق في ظل الاضطرابات المستمرة المرتبطة بمضيق هرمز، بما يؤكد أن أمن الطاقة لم يعد قضية اقتصادية بحتة، وإنما أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاستراتيجي للدول.

وعندما يعاد رسم خرائط الطاقة والممرات، تعود سورية تلقائياً إلى دائرة الاهتمام.

فموقعها بين العراق وتركيا والبحر المتوسط، واتصالها الجغرافي بالمشرق والخليج من جهة، وبالأسواق المتوسطية والأوروبية من جهة أخرى، يمنحها إمكانات لا يمكن تجاهلها.

لكنها إمكانات، وليست واقعاً مكتمل الشروط بعد؛ وهذه نقطة مهمة حتى لا يتحول الحديث عن الدور السوري المقبل إلى مبالغة تتجاوز القدرات الحالية.

فالبنية التحتية السورية تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، وقطاع الطاقة يحتاج إلى استثمارات كبيرة، وشبكات النقل والسكك والموانئ والطرق تحتاج إلى تطوير، كما أن الاقتصاد السوري نفسه لا يزال في مرحلة التعافي.

ولذلك فإن الحديث عن سورية كممر إقليمي للطاقة والتجارة ينبغي أن يُفهم باعتباره مشروعاً استراتيجياً قابلاً للبناء، وليس وظيفة جاهزة يمكن تشغيلها بمجرد اتخاذ قرار سياسي.

لكن اللافت أن الخطوات الأولى بدأت تظهر.

ففي أيار/مايو الماضي، وقعت شركة «توتال إنرجيز» مع «قطر للطاقة» و«كونوكو فيليبس» مذكرة تفاهم مع الشركة السورية للنفط لتقييم إمكانات الاستكشاف في البلوك البحري رقم 3 قبالة الساحل السوري.

الاتفاق لا يعني اكتشاف حقول جديدة أو بدء إنتاج تجاري، لكنه يحمل دلالة مهمة:

شركات طاقة دولية كبرى بدأت تنظر إلى المياه السورية من زاوية الفرص الاستثمارية الممكنة، لا من زاوية المخاطر وحدها.

وهذا التحول لا يأتي منفصلاً عن التحولات السياسية.

فالاستثمار يبحث عن الاستقرار، والطاقة تبحث عن بيئة آمنة، والممرات التجارية تحتاج إلى حدود مضبوطة ومؤسسات قادرة على حمايتها.

ومن هنا يصبح بناء الدولة السورية شرطاً اقتصادياً بقدر ما هو شرط أمني وسياسي.

ولهذا فإن ما يجري في المؤسسة العسكرية والأمنية السورية ينبغي ألا يُقرأ باعتباره ملفاً منفصلاً عن مستقبل الاقتصاد.

إعادة تنظيم القوات المسلحة، وبناء هيكلية عسكرية أكثر احترافاً وتسلسلاً، ومعالجة مسألة القوى المسلحة التي كانت تعمل خارج الإطار المركزي للدولة، ليست مجرد إجراءات تتعلق بالترتيب الداخلي للمؤسسة العسكرية، إنها جزء من عملية أوسع لإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها:

من دولة تتعامل مع واقع فرضته سنوات الحرب إلى دولة تمتلك مؤسسات قادرة على حماية أراضيها ومنافذها وحدودها ومصالحها.

والأمر ذاته ينطبق على مسار دمج المؤسسات والقوى الموجودة في الشمال الشرقي ضمن مؤسسات الدولة.

فقد نصت التفاهمات الأخيرة على مسار للدمج الإداري والعسكري، فيما يجري تنفيذ العملية تدريجياً نظراً إلى تعقيد الواقع الذي تشكل خلال أكثر من عقد.

وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الأمن والاقتصاد.

لا يمكن لخط طاقة أن يكون آمناً إذا كانت الحدود غير مستقرة.

ولا يمكن لطريق تجاري أن يصبح ممراً إقليمياً إذا كان عرضة للتهريب أو الفصائل أو الصراعات.

ولا يمكن لميناء أو مطار أن يتحول إلى مركز اقتصادي إذا كانت البيئة السياسية والأمنية المحيطة به غير مستقرة.

بمعنى آخر، كل خطوة باتجاه استعادة الدولة لقرارها الأمني والعسكري هي في الوقت نفسه خطوة باتجاه تحرير القيمة الاقتصادية لجغرافية سورية.

وهذا ما يجعل التحول الحالي أكثر أهمية من مجرد عودة العلاقات الدبلوماسية.

فسورية لا تسعى فقط إلى العودة إلى محيطها، وإنما تحاول أن تعود إليه بوصفها دولة تمتلك قرارها ومؤسساتها ومصالحها.

وهذه نقطة فارقة؛ لأن سورية التي تدخل في علاقات إقليمية وهي موزعة القرار ليست هي سورية التي تدخلها وهي قادرة على تحديد أولوياتها وحماية حدودها والتفاوض باسم مؤسساتها.

ومن هنا يمكن فهم أهمية العلاقة مع تركيا والعراق ودول الخليج بصورة مختلفة.

تركيا تمثل بوابة سورية الشمالية نحو شبكة اقتصادية وصناعية وتجارية واسعة.

والعراق يمثل امتداداً طبيعياً نحو الخليج وعمق المشرق.

بينما يمكن لدول الخليج أن تكون مصدراً مهماً لرأس المال، والاستثمار، وإعادة الإعمار.

أما البحر المتوسط فيمنح سورية نافذة على طرق التجارة والطاقة نحو أوروبا وشمال أفريقيا.

إذا التقت هذه الاتجاهات في بيئة سورية مستقرة، فإن الموقع الذي كان يُستخدم سابقاً لعبور السلاح والمهربين يمكن أن يتحول تدريجياً إلى موقع لعبور البضائع والطاقة والاستثمارات.

وهذه ليست مجرد صورة بلاغية.

إنها عملية تحويل لوظيفة الجغرافيا نفسها.

ولعل أهم ما يميز المرحلة الحالية أن المصالح الدولية والإقليمية بدأت تتقاطع بصورة متزايدة حول فكرة استقرار سورية.

فكل طرف لديه حساباته الخاصة، ولا ينبغي افتراض وجود تطابق كامل بين هذه الحسابات، لكن القاسم المشترك يصبح أكثر وضوحاً:

سورية مستقرة أفضل للجميع من سورية مضطربة، وسورية قادرة على ضبط حدودها أفضل من سورية مفتوحة أمام شبكات التهريب والصراعات العابرة للحدود.

حتى ملف الطاقة السوري بدأ يدخل في هذا السياق الأوسع. فالتقارير الأخيرة تشير إلى نقاشات حول تنويع مصادر النفط السوري وتقليل الاعتماد على الإمدادات الروسية، بالتزامن مع سعي دمشق إلى بناء علاقات جديدة مع شركات ومصادر طاقة مختلفة.

وهذه التطورات، بصرف النظر عن تفاصيل التفاوض وشروطه، تعكس انتقال الطاقة السورية من كونها ملفاً داخلياً محدوداً إلى جزء من إعادة التموضع الاقتصادي والسياسي للدولة.

لكن سورية لا ينبغي أن تكون مجرد «ممر» للآخرين.

وهذه نقطة جوهرية في أي تصور استراتيجي لمستقبل البلاد.

القيمة الحقيقية للجغرافيا السورية لا تكمن في أن تمر عبرها خطوط الطاقة أو البضائع فحسب، وإنما في أن يتحول ذلك إلى قيمة مضافة للاقتصاد السوري، وفرص عمل للسوريين، وإيرادات للدولة، واستثمارات في البنية التحتية، وتنمية للموانئ والطرق والمطارات والسكك، وإعادة بناء للصناعة والخدمات.

أي أن المطلوب ليس أن تمر المصالح الدولية من سورية، بل أن تتقاطع مع المصلحة السورية.

وهنا يعود بنا الأمر مرة أخرى إلى الدولة.

فالجغرافيا تصبح ورقة تفاوضية عندما تمتلك الدولة القدرة على إدارتها.

والميناء يصبح أصلاً استراتيجياً عندما يكون جزءاً من منظومة اقتصادية وأمنية متكاملة.

والحدود تصبح مورداً اقتصادياً عندما تكون محمية ومضبوطة.

والموقع يصبح قوة سياسية عندما لا تستطيع القوى الخارجية استخدامه من دون حساب مصالح الدولة صاحبة السيادة عليه.

لهذا فإن الطريق إلى الدور الإقليمي السوري لا يبدأ من الموانئ والأنابيب وحدها، بل يبدأ من بناء المؤسسات.

وكلما تقدمت سورية في إعادة تنظيم مؤسساتها، وتسوية ملفاتها الداخلية، وتثبيت أمنها، واستعادة علاقاتها، أصبحت أكثر قدرة على تحويل موقعها الجغرافي إلى أداة في التنمية بدلاً من أن يبقى سبباً لاستنزافها.

لقد كانت سورية، طوال سنوات طويلة، في قلب الجغرافيا التي تتقاطع فيها مشاريع المنطقة.

لكن وجودها في قلب هذه الجغرافيا لم يكن دائماً مصدر قوة لها؛ لأن ضعف الدولة وتعدد مراكز النفوذ جعلا من موقعها فرصة للآخرين أكثر مما كان فرصة للسوريين.

أما اليوم، فإن المعادلة يمكن أن تبدأ بالتغير.

فكلما استعادت الدولة سيادتها على الأرض، أصبح موقع سورية أقل قابلية للاستخدام كساحة للصراع، وأكثر قابلية للاستخدام كجسر للمصالح.

وربما تكون هذه هي المفارقة الأهم في سورية الجديدة: الجغرافيا التي جعلت منها طوال عقود ساحة لتقاطع الصراعات، يمكن أن تصبح في المرحلة المقبلة نقطة لتقاطع المصالح.

لكن الفارق بين الدورين لا تصنعه الجغرافيا وحدها.

إنها الدولة.

فالموقع لا يصنع الدولة، لكن الدولة القادرة على حماية موقعها تستطيع أن تحوله إلى قوة.

وحين تستعيد سورية مؤسساتها وحدودها وقرارها، فإن جغرافيتها لن تبقى مجرد حقيقة ثابتة على الخريطة، بل يمكن أن تتحول إلى واحدة من أهم أوراقها في السياسة والاقتصاد والأمن الإقليمي.

وعندها، لن تكون عودة سورية إلى الخريطة مجرد عودة إلى المكان الذي كانت تشغله قبل الحرب، بل انتقالاً إلى موقع جديد تفرضه مصالح عالم يتغير، وتحتاج فيه المنطقة إلى دولة سورية مستقرة أكثر مما تحتاج إلى ساحة سورية مضطربة.

سورية لا تستعيد جغرافيتها؛ فهي لم تفقدها يوماً.

إنها تستعيد القدرة على تحويل هذه الجغرافيا إلى قوة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني