نعيم قاسم و«الصفحة الجديدة»: هل تمحو الكلمات سنوات الحرب؟

0 1٬028

لا يختلف أحد على أنّ ميليشيا حزب الله كانت أوّل المنخرطين في الحرب على الثورة السورية، حيث ألقت وراءها كل شعاراتها ومواقفها من ثورات الربيع العربي في مصر وتونس وليبيا بالانحياز لمطالب الشعوب المنتفضة، بل اعتبرها الولي الفقيه ثورات إسلامية للتحرر يجب مناصرتها. لكن بوصول نسائم الربيع العربي إلى سوريا باكراً، استشعر الإيرانيون الخطر، وأنشأوا غرف عمليات في دمشق قبل أن تنطلق الثورة تحسّباً لاندلاعها، ولم يكونوا يلقون بالاً لأقوال الهارب بشار الأسد وبعض أركان سلطته بأنّ سوريا مُحصّنة من الثورات بفعل القمع العنيف والمستمر منذ أكثر من أربعة عقود، وسطوة وجبروت الأجهزة الأمنية، إضافةً لما تحمله الذاكرة الجمعية السورية من أهوال مجازر حماة، والتي من لم يعشها سمع عنها من آبائه. هذا مع أنّ جيش النظام كان مبنياً وفق ما أراد حافظ الأسد بشكل طائفي، وهو جيش للنظام وليس جيش الدولة أو الشعب.

كان فيلق القدس هو المنوط به بناء الهلال الشيعي وهندسته، وكان على رأسه أسطورة إيرانية دموية اسمها قاسم سليماني، وهو الحاكم الفعلي في سوريا والعراق ولبنان عن طريق الأذرع التي تم إنشاؤها سابقاً، ولم يكن نظام بشار الأسد أكثر من ذراع في منظومة الولي الفقيه.

وبات من المعروف أنّ إجراءات فيلق القدس التي تم القيام بها في بدايات العام 2011 تضمنت إنشاء غرف عمليات، وتزويد نظام الأسد بكل ما يحتاجه من أدوات القمع، واستقدام قناصين مدربين، حيث يملك الحرس الثوري خبرة جيدة في مواجهة المظاهرات المناهضة للنظام الإيراني، وخاصةً الثورة الخضراء 2009 التي تم قمعها بقسوة.

كان القرار السياسي من المرشد الأعلى قد اتخذ، وهو التعامل الوحشي مع أيّ مظاهرات مناهضة للأسد، وأنه لا يجوز تقديم أيّ تنازل من النظام للشعب أو الاستجابة لأيّ مطلب خدمي أو إصلاحي، لأنّ هذا النظام يعرفه الإيرانيون جيداً، وأنه لا يمكن إصلاحه، إما أن يبقى كما هو أو يسقط كاملاً. وكان تقييم الإيرانيين صائباً، حيث سقط النظام في 8 ديسمبر 2024 دون أن يُقدّم تنازلاً واحداً.

ان حزب الله، بفعل خبرته وتدريبه العالي وميزانياته الضخمة، رأس الحربة لتنفيذ السياسات الإيرانية في سوريا، لأنه لا توجد ثقة بأجهزة نظام الأسد التي لا تجيد إلا القمع دون أيّ أفق أو خطط مدروسة.

وبانطلاق الثورة السورية عملياً، صدقت توقعات قاسم سليماني، وكان القمع الشديد هو الحل الوحيد من جانب النظام الذي تم اعتماده بتوجيهات فيلق القدس، والذي كان مستعداً ولم يتفاجأ بما حصل. وقد تم الحديث عن خوف بشار الأسد من المظاهرات واستعداده للهرب من سوريا، إلا أنّ شخصيتين بارزتين من محور ولاية الفقيه، وهما حسن نصر الله وقاسم سليماني، أجبراه على البقاء واستمرار نهج العنف، وأنّ كل الإمكانيات سيوفرونها له.

ولغ حزب الله في الدم السوري باكراً، ولم يكن يخجل من ذلك، بل يجاهر به أمينه العام في خطاباته، وبدأت مقولات أنّ طريق القدس يمر من الزبداني والقصير وحلب وغوطة دمشق تظهر ويتم ترديدها، في إشارة إلى تبرير تورط الحزب واعتباره الثوار السوريين عملاء لإسرائيل.

كان ارتباك الحزب واضحاً في بدايات التدخل العلني، واضطر لكشف وجهه الطائفي القذر بالدفاع عن أعتى أنظمة الاستبداد في المنطقة باعتباره نظاماً مقاوماً لإسرائيل، حيث ابتدع فكرة الدفاع عن المراقد الدينية الشيعية في سوريا ليتمكن من تحشيد عناصره وشدّ عصبهم الطائفي، والادعاء بأنّ الثورة السورية التي عمادها من السنة يريدون تخريب تلك المراقد الموجودة من مئات السنين ولم يمسسها أحد بسوء.

بالإضافة إلى حربه المباشرة، أراد الحزب حرف الثورة السورية عن مسارها، وذلك باستجراره لرد فعل طائفي سني معاكس له، بحيث تتحول الثورة السورية إلى حرب طائفية ينفضّ كثير من السوريين عن دعمها ويتراجع الدعم الدولي لها. وقد حقق الحزب نجاحات نسبية في أهدافه، فقد ساعده العراقيون في إطلاق زعماء وكوادر تنظيم الدولة من السجون وفتح الطرق لهم وتسليحهم بطرق غير مباشرة، ليبدو للوهلة الأولى أنّ نظام الأسد يحارب الإرهاب السني، وأن البديل له فيما لو خسر الحرب هو التطرف الإسلامي. وبذلك شكّل وجود تنظيم الدولة في سوريا مدعاة للكثير من الدول لإيقاف دعمهم (المادي والمعنوي والسياسي) للثورة السورية، وغضّ النظر عن ممارسات الأسد وحلفائه، بل رحّب المجتمع الدولي بانخراط روسيا في الحرب إلى جانبهم خوفاً من بعبع الجهاديين الذين كان للمحور الإيراني اليد الطولى في ظهورهم ووصولهم إلى هذه الدرجة من القوة.

حتى إنّ أحد شروط نجاح معركة ردع العدوان كانت إنهاك حزب الله في حربه مع إسرائيل، ودلالة توقيت المعركة تؤكد ذلك، حيث إن ميليشيا حزب الله تُعتبر قوات النخبة في الخليط الذي يُشكّل قوات النظام، وهي قوة نوعية، بمجرد انهيارها في خطوط الدفاع عن حلب وانخفاض معنوياتها، هربت من المعركة وهرب الكثيرون وراءها، ومن شاهد ذلك من بقايا ميليشيات النظام أصابه الهلع وبدأ برمي أسلحته وخلع بِزّاته العسكرية والفرار.

خرج مؤخراً نعيم قاسم في خطاب متلفز يدعو إلى فتح صفحة جديدة في العلاقة بين سوريا والحزب، وكأن ما حصل سابقاً هو خلاف سياسي ومناوشات عسكرية أو حرب بين دولتين، متناسياً حجم الجرائم وهولها التي ارتكبها الحزب إبان الثورة السورية. وهو خرج بهذا الكلام مضطراً أو متوسلاً، بعد تصريحات متعددة للرئيس الأمريكي عن دور سوري ما مستقبلي في نزع سلاح الحزب، وبعد قطيعة الحزب الكاملة مع جزء كبير من الشعب اللبناني والدولة اللبنانية الرسمية التي تجري محادثات مع إسرائيل، وجوهر تلك المفاوضات نزع سلاح الحزب واحتكار الجيش اللبناني للسلاح والحكومة اللبنانية لقرار السلم والحرب.

ويقصد الحزب أيضاً إيقاع الوقيعة بين الحكومتين السورية واللبنانية، حيث تعتبر الحكومة السورية أن علاقتها مع لبنان ستكون فقط مع مؤسسات الدولة وليس مع مكون مسلح مرتهن للخارج على خلاف حاد مع الدولة.

وإذا وافقت الحكومة السورية على أيّ نوع من الاتصال مع الحزب، فلن يكون ذلك قبل اعتراف الحزب بكل جرائمه في سوريا، وتقديم أفراد منه للعدالة الانتقالية لمحاكمتهم في سوريا، وتقديم اعتذار للشعب السوري عن المرحلة السابقة، والتعهد بتسليم أيّ فار من العدالة ويحظى بدعم ورعاية الحزب في لبنان، وعدم اعتبار لبنان منصة أو قاعدة للتحريض على سوريا سياسياً وعسكرياً وأمنياً وإعلامياً.

هذه أبسط الشروط التي إن قدمها الحزب مسبقاً، فيمكن حينئذ للدولة السورية أن تفكر في فتح أيّ حوار مع الحزب.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني