لماذا تحتاج سورية إلى نموذجها الاقتصادي الخاص

0 15

دفاعاً عن فكرتي الاقتصادية في الوصول إلى التعافي الاقتصادي في سورية، من خلال وجود اقتصاد خاص يتعامل مع الواقع السوري – يبني، يحمي، يتأقلم – مع كل العقبات التي يقع فيها السوق السورية، من خلال نظرية جديدة أطلقت عليها اسم (نظرية اقتصاد المرونة)، والتي أتت في الوقت الذي تتصدر فيه تكاليف إعادة الإعمار المقدرة بنحو 400 مليار دولار عناوين التقارير الدولية، ويتراجع الناتج المحلي الإجمالي السوري بنسبة 83% منذ عام 2010، يقف الاقتصاد السوري عند مفترق طرق وجودي. الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة، فما تحتاجه سورية ليس مجرد خطة تعافي، بل إعادة تعريف كاملة لهويته الاقتصادية. وهنا تبرز نظرية اقتصاد المرونة كإطار فلسفي عملي، يتجاوز الإجابة التقليدية عن: ماذا تفعل؟ إلى السؤال الأعمق: كيف تفكر في الاقتصاد أصلاً؟

على مدى العقود الماضية، تأرجحت السياسات الاقتصادية السورية بين نموذج الدولة المالك والاشتراكية الموجهة، ثم محاولات الانفتاح الجزئي التي لم تكتمل. لكن الحرب كشفت عن عيب جوهري في كلا المسارين: غياب المرونة في الاقتصاد السوري، وهذا سبب رئيس لما وصلنا له اليوم في الاقتصاد السوري. والحل كما نراه، يكمن في تبني هوية اقتصادية جديدة قائمة على الانفتاح والتنوع والاستدامة والمرونة في التعامل والبحث والدراسة.

ما أقدمه اليوم في نظرية اقتصاد المرونة لا يكتفي باقتراح قطاعات مستهدفة، بل يضع إطاراً لإدارة الاقتصاد ذاته. يقوم هذا الإطار على عدة مبادئ:

أولاً: التجاوز الجذري للثنائيات الكلاسيكية. بدلاً من الصراع بين السوق والدولة، تقترح النظرية كياناً اقتصادياً يتشكل وفقاً للمتغيرات الداخلية. المرونة هنا ليست ترفاً، بل أداة بقاء تسمح بامتصاص الصدمات التي لا مفر منها في ظل هشاشة البنية التحتية وتذبذب الدعم الخارجي.

ثانياً: التوافق مع السياق السوري. تتجاهل النماذج المستوردة حقيقة أن البنى العشائرية، ودور المغتربين الهائل، والقطاع غير الرسمي الضخم هي حقائق اقتصادية، وليست حوادث عابرة. الاقتصاد المرن لا يحارب هذه الظواهر، بل يسعى إلى إدماجها كجزء من الحل، عبر آليات مثل التمويل الأصغر الذي يمكن أن يدعم 30% من جهود التعافي الاقتصادي على المستوى الشعبي.

ثالثاً: الحوكمة التكيفية. تطبيق هذه النظرية يتطلب تشريعات قابلة للتعديل الدوري، على غرار ما يسمى بصناديق الثروة السيادية، الشفافة في تجارب دولية ناجحة. يمكن إنشاء (غرفة مرونة اقتصادية) تضم خبراء من القطاعين العام والخاص لمراجعة السياسات بشكل ربع سنوي، بدلاً من الجمود التشريعي الذي يقيد الحراك الاقتصادي.

آليات تطبيق نظرية اقتصاد المرونة:

كيف يمكن ترجمة نظرية اقتصاد المرونة إلى سياسات ملموسة على أرض الواقع السوري؟ يستلزم ذلك مقاربة متعددة المسارات:

1- التمويل المرن لإعادة الإعمار:

بدلاً من خطة مركزية ضخمة (وهي خطة قد تستهلكها البيروقراطية قبل أن تصل إلى الأرض)، يقترح النموذج نهجاً وحداتياً. فمثلاً، يمكن تخصيص مناطق اقتصادية ذات طبيعة خاصة: المنطقة الساحلية تركز على السياحة والطاقة المتجددة، والمناطق الداخلية على الزراعة والصناعات التحويلية الخفيفة. مع منح كل وحدة صلاحيات محلية في جذب الاستثمار، على أن تبقى ضمن إطار سياسي نقدي موحد. وهنا من الضروري توجيه نسبة 40% من الاستثمارات نحو قطاعي الطاقة والصناعة، و30% نحو الزراعة، و30% نحو التكنولوجيا والخدمات.

2- التعامل الذكي مع القطاع غير الرسمي:

محاولة فرض الضرائب على 70% من الاقتصاد بالقوة هي وصفة لإشعال احتجاجات شعبية. بدلاً من ذلك، يمكن اعتماد أسلوب الترغيب، عبر تطوير بنوك رقمية وبرامج للتمويل الأصغر تهدف إلى جعل الأمر الغير قابل تطبيقه في البنوك قابلاً للتطبيق. هذا النهج، كما شهدنا في تجارب دولية، يُدمج الاقتصاد الموازي تدريجياً في النظام الرسمي دون إثارة صدمات اجتماعية.

3- الاندماج الإقليمي المتدرج:

تشير التقديرات المحلية في سورية بشكل تقريبي إلى أن حجم التجارة المتوقع مع تركيا قد يصل إلى 1.9 مليار دولار. لكن اقتصاد المرونة يدرك أن سورية ليست مجرد ممر، بل لاعب. فبدلاً من اتفاقيات التجارة الحرة الشاملة والمباشرة، قد يكون التوجه نحو مشاريع شراكة محددة (مثل مشاريع الطاقة الإقليمية) أكثر فعالية لبناء الثقة وإثبات الكفاءة قبل فتح الأبواب على مصراعيها. النجاح هنا يتطلب الاستفادة من التزامات بروكسل وغيرها من المساعدات لدعم البنية التحتية الحيوية التي تسهل التجارة والربط الإقليمي.

إن نجاح هذه الرؤية يتوقف على قدرة الدولة على إدارة عاملين حساسين:

الأول: الوقت: فالنظرية تحتاج إلى فترة انتقالية تبني فيها الثقة بين المواطن والدولة. في غياب الشفافية، قد تُفهم المرونة على أنها ارتجال أو محسوبية.

الثاني: التحدي الجيوسياسي: الاقتصاد المرن لا ينعزل عن محيطه. ولن يكتب له النجاح دون سياسة خارجية مرنة أيضاً، تفتح أسواقاً جديدة وتجذب استثمارات تتوافق مع متطلبات النظرية، وليس مجرد ضخ أموال دون تخطيط.

تشير دراسة أعدها البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن تجارب إقليمية مثل العراق وليبيا فشلت في إعادة الإعمار بسبب السيطرة السياسية على الموارد الطبيعية، مما أدى إلى تفشي الفساد. وعلى النقيض من ذلك، فإن نجاح اقتصاد المرونة في سورية سيكون دليلاً قاطعاً على أن الحل الاقتصادي يولد من رحم المجتمع نفسه، وليس من وصفات خارجية جامدة.

سورية اليوم ليست في حاجة إلى خطة تعافٍ فحسب، إنها بحاجة إلى إعادة اختراع طريقة تفكيرها في الاقتصاد. نظرية اقتصاد المرونة التي أطرح أساسياتها الأولية في هذا المقال أقدم فيها الإطار الفلسفي العملي، القادر على التعامل مع الفوضى والهشاشة كحالة دائمة، وليس كاستثناء مؤقت. إنها دعوة لأن تصبح سورية مختبراً حقيقياً لإثبات أن النجاح الاقتصادي لا يأتي من فرض النماذج، بل من تكييفها مع إيقاع المجتمع وخصوصيته. فهل سيكون صناع القرار على استعداد لتجربة هذه الجرأة النظرية، أم أننا سنبقى في حلقة مفرغة بين نماذج فشلت وأخرى لن تصلح؟ الأيام القادمة ستكون حاسمة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني