منطق العائد في الصدقة: كيف يمكن تحويل الصدقة إلى قوة إنتاجية؟ (3-3)

0 12

إذا كان الجزء الأول قد كشف مفارقة منطق العائد داخل فعل الصدقة، والجزء الثاني قد اقترح سبل إعادة توجيهه نحو الحاجات الأكثر إلحاحاً، فإن السؤال الأوسع يبقى: هل يمكن للصدقة أن تتحوّل من مجرّد فعل خيري إلى رافعة تنموية؟ أي ألا تكتفي بتخفيف الأعراض، بل أن تدخل في صلب إنتاج الحلول.

المشكلة في صورتها التقليدية القائمة على اعتبار الصدقة تُمارَس غالباً كاستجابة فورية: بناء، إعانة، أو تمويل نشاط مباشر. هذه الأفعال، رغم أهميتها، تبقى في كثير من الأحيان خارج دورة الإنتاج. فهي تُنتج أثراً، لكن ليس بالضرورة قدرة مستدامة. وهنا تحديداً يكمن التحوّل المطلوب: الانتقال من منطق الاستمرارية الزمنية للأجر إلى منطق الاستمرارية الإنتاجية للأثر.

بمعنى آخر، بدل أن يكون السؤال: كيف يستمر الأجر؟، يصبح: كيف يستمر الإنتاج؟ هذا التحوّل لا يلغي البعد الأخلاقي، بل يعمّقه. فالمدرسة التي تُموَّل لا تكتفي بتقديم خدمة، بل تُنتج معرفة. والمشروع الصغير الذي يُدعَم لا يقدّم دخلاً مؤقتاً، بل يخلق دورة اقتصادية. هنا تتحوّل الصدقة من أثر ساكن إلى أثر متحرّك.

في هذا الإطار، يمكن فهم الصدقة كجزء من منظومة أوسع من رأس المال الاجتماعي، حيث لا يُختزل دورها في إعادة التوزيع، بل يمتد إلى إنتاج الثقة والتعاون والقدرة على الفعل الجماعي. هذا ما يقترب من تصور (Robert Putnam)، حيث تُصبح الشبكات الاجتماعية والثقة المتبادلة عنصراً من عناصر التنمية، لا مجرد نتيجة لها، باعتبار أن السياسة ليست فقط صراع سلطة أو تصميم مؤسسات، بل أيضاً نتاج الحياة الاجتماعية اليومية.

غير أن هذا التحوّل يصطدم بواقع بنيوي في كثير من المجتمعات، خاصة تلك التي تتسم بسمات ريعية. ففي هذه السياقات، لا تُوجَّه الموارد دائماً نحو الإنتاج، بل نحو أشكال من الإنفاق الرمزي أو الاستهلاكي. لذلك، فإن إدماج الصدقة في مسار تنموي يتطلّب أكثر من مبادرات فردية؛ يحتاج إلى إطار مؤسسي يربط بين العطاء الفردي والأثر الجماعي.

يمكن للدولة أو الفاعلين الكبار، أن يلعبوا دور الوسيط هنا، ليس عبر السيطرة على الصدقة، بل عبر تنظيمها وربطها بمشاريع إنتاجية. صناديق تمويل للمشاريع الصغيرة، برامج دعم التعليم التقني، أو مبادرات صحية قائمة على الاستدامة، كلها مجالات يمكن أن تتحوّل فيها الصدقة إلى مدخل للتنمية، لا مجرد استجابة للحاجة.

لكن هذا التحوّل يظل مشروطاً بتغيير أعمق في الوعي. فطالما بقيت قيمة الصدقة مرتبطة فقط بمدة استمرارها الزمنية، سيبقى التركيز على الأثر الثابت. أما حين يُعاد تعريف القيمة لتشمل القدرة على الإنتاج والتحوّل، فإن منطق العائد نفسه سيتغيّر، لن يختفي بل سيتحوّل من عائد رمزي ساكن إلى عائد تنموي ديناميكي.

لذلك، لا تتعارض الصدقة مع التنمية، لكنها ليست تلقائياً جزءاً منها. الفارق يكمن في كيفية توجيهها. فحين تُربط بالقدرة على الإنتاج، يمكن أن تصبح أحد مفاتيح الخروج من منطق الريع إلى منطق الفعل. وعندها، لا يعود العطاء مجرد استجابة أخلاقية، بل يصبح أيضاً استثماراً في المستقبل ليس فقط للأفراد، بل للمجتمع بأكمله.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني