محاكمة درعا أمام القضاء السوري الجديد.. هل تتحول ذاكرة الألم إلى مسار للعدالة؟

0 67

في تاريخ الشعوب التي عاشت الحروب والانقسامات، تبقى لحظات العدالة أكثر من مجرد إجراءات قضائية؛ فهي لحظات تحدد شكل المستقبل. فالمحاكمات المرتبطة بانتهاكات الماضي لا تختبر فقط الأشخاص الذين يقفون أمام القضاة، بل تختبر قدرة الدولة نفسها على بناء علاقة جديدة مع مواطنيها، تقوم على القانون لا على القوة، وعلى الحقيقة لا على الإنكار.

وفي سوريا التي تدخل مرحلة إعادة تشكيل مؤسساتها بعد سنوات طويلة من الصراع، تبرز محاكمة القضية رقم (1) لعام 2026 أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق كواحدة من أبرز المحطات القضائية التي تحمل أبعاداً تتجاوز حدود ملف جنائي محدد.

فالقضية المرتبطة بأحداث محافظة درعا عام 2011 تضع أمام القضاء أسئلة شديدة الحساسية: كيف يمكن تحقيق العدالة للضحايا؟ وكيف يمكن ضمان محاكمة عادلة للمتهمين؟ وهل تستطيع سوريا الجديدة بناء نموذج قضائي يوازن بين حق المجتمع في معرفة الحقيقة وحق الأفراد في الدفاع عن أنفسهم؟

محكمة تحت أنظار المجتمع.. بداية اختبار الثقة:

بحسب تقرير مراقبة قضائية أصدرته الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن الجلستين المنعقدتين في 26 نيسان/أبريل و10 أيار/مايو 2026 أظهرتا درجة واضحة من العلنية والتنظيم، مع وجود مسائل قانونية وإجرائية أساسية تحتاج إلى متابعة خلال المراحل المقبلة.

وتؤكد الشبكة أن التقرير لا يمثل حكماً على المتهمين أو تقييماً نهائياً للوقائع أو الأدلة، بل يقتصر على مراقبة ما جرى داخل قاعة المحكمة وما أعلنته الجهات القضائية وأطراف الدعوى خلال الجلسات العلنية.

هذه النقطة تحمل أهمية خاصة في القضايا الانتقالية، لأن نجاح العدالة لا يقاس فقط بنتائج الأحكام، بل بمدى احترام الإجراءات التي تسبقها. فالقضاء الذي يسعى إلى بناء الثقة يجب أن يثبت أن العدالة ليست أداة انتقام، بل مؤسسة مستقلة تعمل وفق قواعد واضحة.

من الإجراءات الشكلية إلى جوهر الاتهامات:

في الجلسة الأولى، ركزت المحكمة على الإجراءات الإدارية والقانونية المتعلقة بالتبليغ والتحضير. ومثل المتهم عاطف نجيب حضورياً أمام المحكمة برفقة محاميه، بينما ثبت غياب باقي المتهمين الذين جرى تبليغهم وفق الأصول القانونية.

كما أعلنت المحكمة أن قائمة المدعين تضم خمسين شخصاً، بينهم عشر سيدات، وأن معظمهم حضروا الجلسة، قبل تأجيل النظر إلى موعد لاحق.

ولم تتضمن هذه المرحلة استجواب المتهم أو مناقشة الأدلة، إذ بقيت الجلسة في إطارها التحضيري. لكن مجرد انعقادها بصورة علنية، بحضور ممثلين عن وسائل الإعلام ومنظمات حقوقية ومحامين عن أطراف الدعوى، شكل مؤشراً مهماً على طبيعة المسار الذي تحاول المحكمة ترسيخه.

أما الجلسة الثانية، فقد انتقلت فيها القضية إلى مرحلة أكثر حساسية، مع عرض ملخص الاتهام والوقائع المنسوبة، والسير بالإجراءات الخاصة بالمتهمين الغائبين.

درعا 2011.. قضية تحمل ذاكرة وطنية مفتوحة:

تعود القضية إلى أحداث محافظة درعا عام 2011، وهي الفترة التي شكلت نقطة تحول كبرى في التاريخ السوري الحديث.

وخلال عرض الاتهام، تضمن الملف وقائع منسوبة تتعلق باعتقال أطفال وطلاب مدارس، وادعاءات بوقوع تعذيب ومعاملة قاسية، واستخدام القوة ضد الاحتجاجات، وإطلاق النار على متظاهرين ومشيعين، ومنع إسعاف مصابين، إضافة إلى اتهامات مرتبطة بالمسؤولية القيادية وإدارة العمليات الأمنية.

هذه الوقائع، التي تشكل جزءاً من ذاكرة مؤلمة لدى كثير من السوريين، أصبحت اليوم أمام اختبار القضاء.

لكن الفاصل بين الذاكرة والعدالة هو القانون؛ فالوقائع مهما كانت خطورتها تحتاج إلى إثبات قضائي، والمسؤوليات تحتاج إلى أدلة ومناقشات داخل المحكمة.

وهنا تظهر أهمية الحفاظ على قاعدة أساسية: الاتهام ليس إدانة، والمحكمة وحدها تملك صلاحية تحديد المسؤولية بعد استكمال الإجراءات.

الجرائم الدولية.. مسؤولية قانونية لا مجرد أوصاف سياسية:

خلال الجلسات، أشارت المحكمة والنيابة العامة إلى مبادئ من القانون السوري والقانون الدولي، بما في ذلك الحق في الحياة، وحظر التعذيب، وحقوق الأطفال، وضمانات الحرية والمحاكمة العادلة، إضافة إلى أوصاف قانونية مثل الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.

لكن هذه المصطلحات تحمل متطلبات قانونية دقيقة.

فليس كل انتهاك خطير يُصنف تلقائياً كجريمة حرب أو جريمة ضد الإنسانية، إذ تحتاج هذه الأوصاف إلى توافر عناصر قانونية وسياقية محددة، وإلى إثبات العلاقة بين الأفعال والظروف التي وقعت فيها.

ولهذا فإن التحدي أمام القضاء السوري يتمثل في تحقيق التوازن بين الاعتراف بخطورة الانتهاكات المحتملة وبين الالتزام الصارم بالمعايير القانونية.

حقوق الدفاع.. معيار قوة المحكمة لا ضعفها:

في المحاكمات الكبرى، غالباً ما يُنظر إلى حقوق المتهمين باعتبارها مسألة ثانوية أمام حجم الاتهامات، لكن التجارب الدولية أثبتت أن قوة العدالة لا تظهر فقط في محاسبة المسؤولين، بل أيضاً في احترام حقوقهم القانونية.

وقد رصدت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن المحكمة أعلنت حق الدفاع في الحصول على نسخة من ملخص الاتهام، لكنها أكدت أن تقييم كفاية هذا الضمان سيبقى مرتبطاً بما سيحصل عليه الدفاع لاحقاً من وقت ومواد وإمكانية لمناقشة الأدلة والشهود.

فالمحاكمة العادلة تتطلب أكثر من حضور محامٍ؛ فهي تحتاج إلى قدرة حقيقية على الاطلاع، والرد، والطعن، ومواجهة الأدلة.

وكلما كانت ضمانات الدفاع أقوى، ازدادت شرعية الأحكام التي تصدر لاحقاً.

حماية الشهود بين ضرورات الأمن وحق الرقابة العامة:

من القضايا الحساسة التي ظهرت خلال الجلسات مسألة حماية الشهود والوثائق الحساسة.

فقد قررت المحكمة وقف البث المباشر ومغادرة ممثلي وسائل الإعلام عند الانتقال إلى مرحلة قد تتضمن أسماء شهود أو معلومات محمية، مع الإشارة إلى نشر التسجيلات لاحقاً بعد حذف البيانات الحساسة.

وترى الشبكة أن حماية الشهود إجراء مشروع عندما يكون ضرورياً ومتناسباً، لكنه يجب ألا يتحول إلى وسيلة تحد من علنية المحاكمة أو تضعف قدرة الدفاع على ممارسة حقوقه.

فالعدالة تحتاج إلى التوازن بين الشفافية والحماية.

العدالة الانتقالية.. هل تبدأ من قاعة المحكمة؟

محاكمة درعا ليست مجرد قضية أمام محكمة جنائية، بل جزء من سؤال أكبر يتعلق بمستقبل سوريا.

فالدول الخارجة من الصراعات لا تبني استقرارها فقط عبر إعادة المؤسسات، بل عبر معالجة جراح الماضي بطريقة قانونية ومنصفة.

والعدالة الانتقالية لا تعني الانتقام من مرحلة سابقة، كما لا تعني تجاوز معاناة الضحايا، بل تعني بناء مسار يعترف بالانتهاكات، ويحاسب المسؤولين عنها وفق القانون، ويمنع تكرارها.

وفي هذا السياق، تصبح المحاكم أمام مسؤولية مزدوجة: إنصاف الضحايا، والحفاظ على المعايير التي تجعل العدالة مقنعة للمجتمع كله.

هل ينجح القضاء السوري في بناء الثقة؟

تقف محاكمة درعا أمام اختبار تاريخي لا يتعلق فقط بالمتهمين أو الضحايا، بل بصورة الدولة السورية الجديدة نفسها.

فالسوريون يريدون معرفة الحقيقة، ويريدون عدالة تنصف من تعرضوا للانتهاكات، لكنهم يحتاجون أيضاً إلى قضاء يثبت أن القانون هو المرجعية الوحيدة للحكم.

إن نجاح هذه المحاكمة لن يقاس فقط بالأحكام التي ستصدر، بل بمدى احترامها للعدالة والإجراءات والحقوق.

ويبقى السؤال الأكبر مفتوحاً:

هل تستطيع سوريا الجديدة أن تجعل من قاعات المحاكم بداية لعهد قانوني جديد، تتحول فيه ذاكرة الألم إلى عدالة تبني الثقة، أم أن إرث الماضي سيبقى العقبة الأصعب أمام بناء دولة القانون؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني