حين تتحول أزمة النواب إلى أزمة مؤسسات.. لماذا لا تكفي الانتخابات وحدها لبناء برلمان سوري؟

0 23

الجدل الحالي: من دير الزور إلى الرقة… مروراً بدمشق وحلب

مع اكتمال تشكيل مجلس الشعب السوري الجديد بإعلان الثلث المعيَّن رئاسياً، دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة يُفترض أن تؤسس لأول تجربة برلمانية في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق. غير أن الطريق إلى الجلسة الافتتاحية للمجلس لم يخلُ من مؤشرات مبكرة على حجم التحديات التي تواجه هذه التجربة؛ فقد تأجل انعقادها وسط تفسيرات متباينة تراوحت بين اعتبارات تنظيمية وأمنية وسياسية، وتزامن ذلك مع نقاشات حول توزيع المواقع القيادية داخل المجلس، في مشهد يعكس طبيعة التنافس المتوقع في مرحلة انتقالية تعيد فيها سوريا بناء مؤسساتها السياسية بعد عقود من الحكم السلطوي.

وبالتوازي مع ذلك، لم يتوقف الجدل حول تركيبة المجلس نفسه. ففي دير الزور، تركزت الانتقادات على أن النواب العشرة الذين أفرزتهم الهيئات الناخبة جاؤوا جميعاً من الريف، وأن عدداً منهم لا يملك سجلاً عاماً معروفاً في العمل السياسي أو التشريعي. وفي الرقة، ظهرت مؤشرات على بداية تراجع الاصطفافات القبلية التقليدية، مع محاولات بعض اللجان الانتخابية الفرعية كسر احتكار الحشد العددي. أما في دمشق وحلب، فقد انصرف الاهتمام إلى التنافس على رئاسة المجلس وبقية المواقع القيادية، بما كشف عن بروز توازنات سياسية جديدة داخل المؤسسة الوليدة.

وعلى الرغم من اختلاف هذه الوقائع، فإنها جميعاً تشير إلى سؤال واحد يتجاوز الأشخاص والنتائج الانتخابية: هل تكمن المشكلة في هوية النواب الذين وصلوا إلى البرلمان، أم في التصميم المؤسسي لبرلمان يُطلب منه أن يؤدي وظائف متباينة لا تستطيع مؤسسة واحدة حملها بكفاءة؟ ومن هذا السؤال تنطلق هذه المقالة.

لماذا يفشل حل الإقصاء؟

الفكرة الشائعة عند قراءة هذا المشهد هي أن المشكلة في “الأشخاص”. لكن هذه القراءة تُخطئ الهدف. المشكلة ليست فيمن فاز، بل في أن مؤسسة واحدة – مجلس الشعب – مطالبة بأن تؤدي في آن واحد وظيفتين مختلفتين جوهرياً: أن تكون صوت المواطنة الفردية المتساوية، وأن تكون في الوقت نفسه وعاءً لاحتواء التوازنات الاجتماعية التي تحكم الحياة اليومية لملايين السوريين.

هذا الجمع بين الوظيفتين يولّد تعارضاً مؤسسياً حقيقياً: عندما يكون المقعد التشريعي نفسه هو أداة التشريع الوطني وأداة تمثيل البنى الاجتماعية المحلية، تصبح معايير الفوز مختلفة جذرياً. الكفاءة البرامجية والخبرة التشريعية تتنافس مع الوجاهة الاجتماعية والقدرة على حشد الأصوات التقليدية، فغالباً ما تنتصر الأخيرة — لأن الحشد الاجتماعي يمتلك شبكات تعبئة جاهزة، بينما تحتاج البرامج السياسية إلى زمن أطول لبناء الثقة الانتخابية. وهذا ليس خطأ فردياً، بل نتيجة بنيوية لتحميل مؤسسة واحدة وظيفتين متعارضتين.

الثنائية الحقيقية: الوجاهة الاجتماعية والكفاءة المؤسسية

الاستجابة الأولى التي يقترحها كثيرون هي المواجهة المباشرة: تجريم “الاصطفاف العشائري”، أو حظر الترشح بأي غطاء اجتماعي تقليدي. لكن التجربة السورية نفسها، وقبلها تجارب إقليمية مشابهة، تُظهر أن هذا الحظر لا يُلغي الظاهرة، بل ينقلها إلى قنوات أقل شفافية. حين تُمنع “الفرعيات” والتصفيات القبلية المسبقة من العمل علناً، فإنها غالباً لا تختفي، بل تنتقل إلى غرف مغلقة يصعب رصدها أو مساءلتها.

والحقيقة أن الثنائية التي نتحدث عنها ليست “عشائر في مواجهة مثقفين”. فسوريا اليوم ليست مجتمعاً عشائرياً فحسب؛ فيها أيضاً نقابات مهنية، ورجال أعمال، وأكاديميون، وشخصيات مدينيه تاريخية، وقيادات مجتمع مدني. الثنائية الأدق هي بين الوجاهة الاجتماعية – أي كل نفوذ يستمد شرعيته من الانتماء والوراثة والحضور المجتمعي المتراكم – والكفاءة الوظيفية التي تحتاجها الدولة في التشريع والتنمية. وحين تتنافس هاتان القوتان على المقعد التشريعي نفسه، فإن إحداهما – غالباً الأكثر تنظيماً على الأرض – تحسم المعركة قبل صندوق الاقتراع.

إصلاح قانون الانتخابات… هل يكفي؟

قد يُقال إن الحل أبسط من ذلك: عدّل قانون الانتخابات، اعتمد قوائم نسبية أو دوائر أصغر، وستُحل المشكلة تلقائياً. لكن هذه الإصلاحات، رغم فائدتها الجزئية، تبقى محصورة داخل مؤسسة واحدة مطالبة بأداء وظيفتين متعارضتين في آن. تجربة الأردن مع “الدوائر الافتراضية” عام 2010 مثال كاشف: أعيد تقسيم الدوائر الكبرى إلى دوائر غير مرتبطة بمكان سكن الناخبين، أملاً في كسر الاصطفافات التقليدية عبر تفتيت كتلها الجغرافية. لكن النتيجة، بحسب ما رصدته تحليلات سياسية عديدة، كانت أن الهندسة الجديدة للدوائر ساهمت في إعادة إنتاج تفاهمات محلية بين المرشحين الأقوى – ومعظمهم مدعومون بنفوذ محلي راسخ – بدل أن تخلق تنافساً برامجياً جديداً، فتحولت الهندسة الانتخابية من أداة كسر احتكار إلى أداة تقاسم نفوذ جديدة بين نفس الفاعلين. الهندسة داخل مؤسسة واحدة تُعيد توزيع نفس اللعبة، لا تُغيّر قواعدها.

الخاتمة الانتقالية

بعد كل هذا الجدل، قد يكون السؤال الذي شغل السوريين قد وُضع في المكان الخطأ. فالمشكلة ليست كيف نأتي بنواب أفضل، بل كيف نبني برلماناً يجعل وصول الأكفأ أكثر احتمالاً، ويمنح في الوقت نفسه المجتمع قنواتٍ مؤسسية للتعبير عن تنوعه من دون أن تتحول المنافسة الاجتماعية إلى بديل عن المنافسة السياسية.

وحين تُحمَّل مؤسسة واحدة وظائف متباينة، يصبح الخلاف على الأشخاص نتيجة طبيعية، مهما تبدلت الأسماء أو تغير قانون الانتخابات. لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي لا يبدأ من إعادة ترتيب المقاعد، بل من إعادة التفكير في تصميم المؤسسة نفسها، وفي توزيع وظائفها بما ينسجم مع طبيعة المجتمع والدولة معاً.

ومن هنا يبرز سؤال أكثر عمقاً من الجدل الدائر اليوم: إذا كان الخلل في بنية البرلمان لا في أعضائه، فكيف يمكن إعادة تصميمه بحيث يوازن بين التمثيل الشعبي والخبرة المؤسسية، من دون الوقوع في المحاصصة أو إعادة إنتاج مراكز نفوذ جديدة؟

وهذا هو السؤال الذي تحاول المقالة الثانية الإجابة عنه.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني