المحامي محمد بسّام طبلية لـ «نيناربرس»: بين حرية التعبير وعدالة الانتقال… كيف تمنع سوريا الجديدة الفوضى وتحمي الحقيقة؟

0 56
بين حق السوريين في كشف الحقيقة وواجب الدولة في حماية الحقوق… كيف تُرسم حدود الحرية في سوريا الجديدة؟

بعد سنوات طويلة عاش فيها السوريون بين تضييق مساحة التعبير وتراكم ملفات الانتهاكات والألم، تواجه سوريا مرحلة جديدة تحمل معها سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن بناء مجتمع يحمي حق الإنسان في الكلام، وفي الوقت نفسه يمنع تحول الحرية إلى تشهير أو اتهام أو انتقام؟

ففي الدول الخارجة من الصراعات، لا تكون القضية فقط في فتح المجال أمام الأصوات المختلفة، بل في تأسيس ثقافة قانونية تجعل الكلمة وسيلة لكشف الحقيقة وبناء العدالة، لا أداة لإعادة إنتاج الفوضى.

من هنا تبرز أهمية النقاش حول حرية التعبير والعدالة الانتقالية في سوريا الجديدة، حيث يقف المجتمع بين حق المواطن في السؤال والمساءلة، وحق الأفراد في حماية الكرامة والسمعة.

في حديث خاص لـ «نيناربرس»، يوضح المحامي الأستاذ محمد بسّام طبلية، الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية، أن حرية التعبير حق أساسي من حقوق الإنسان، لكنها لا تنفصل عن المسؤولية القانونية والأخلاقية.

ويؤكد:

“الحرية والحق في التعبير حق مصان في العديد من المعاهدات الدولية، بما فيها الدستور السوري والقوانين بشكل عام، ولكن هذه الحرية ليست مطلقة.”

حرية التعبير… حق أصيل تحكمه المسؤولية:

يرى طبلية أن الأصل هو حماية حرية الرأي والتعبير، مستنداً إلى المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الصادر عام 1966.

لكنه يوضح أن حماية الحرية لا تعني غياب الضوابط.

ويقول:

“هذه حرية واسعة جداً، لكنها ليست مطلقة، فهناك قيود يجب أن ينص عليها القانون، وأن تكون ضرورية، وأن تحترم حقوق الآخرين أو سمعتهم.”

ويشير إلى أن القيود المشروعة ترتبط بحالات محددة، مثل الأمن القومي عند الضرورة، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو حماية حقوق الآخرين.

كما يؤكد أن هذا المبدأ حاضر ضمن منظومة الحماية الدولية لحرية التعبير في الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان لعام 1950، والاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان لعام 1969، والميثاق العربي لحقوق الإنسان لعام 2004.

لكن طبلية يوضح أن الحرية تفقد مشروعيتها عندما تتحول إلى اعتداء.

ويقول:

“عندما تكون حرية التعبير تنادي بالكراهية، أو تدعو إلى العنف، أو تتضمن التشهير والتحقير والافتراء، فهذه لم تعد حرية شخصية، وإنما اعتداء على حقوق الآخرين.”

من نقد الأداء إلى اتهام الأشخاص… هنا تبدأ المسؤولية:

يفرق طبلية بين النقد المشروع الذي يدخل ضمن حرية التعبير، وبين الاتهام الذي يحتاج إلى دليل ومسار قانوني.

ويقول:

“للإنسان الحرية في أن ينقل رأيه، فإذا كان هناك فساد أو إدارة فاشلة، يستطيع أن يتحدث عن ذلك، ولكن عليه أن يثبت الأمر بالطرق القانونية إذا أصبح هناك اتهام.”

ويشرح أن انتقاد الأداء العام يبقى حقاً مشروعاً، مثل القول:

“فشلت الحكومة في تنفيذ خطتها المالية.”

أما توجيه اتهام مباشر لشخص محدد بالسرقة أو الفساد أو ارتكاب جريمة، فينتقل إلى مساحة قانونية مختلفة تحتاج إلى إثبات وتحقيق.

ويؤكد:

“عندما يتكلم الشخص عن الفساد فهو يتهم آخرين، وبالتالي عليه أن يثبت ذلك.”

فالحرية تحمي الرأي والنقد، لكنها لا تمنح حق إصدار الأحكام على الأشخاص خارج القضاء.

العدالة الانتقالية… كشف الحقيقة بعيداً عن التشهير:

في ملف العدالة الانتقالية، يرى طبلية أن السوريين بحاجة إلى معرفة الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، لكن ضمن إطار قانوني يمنع الفوضى والانتقام.

ويقول:

“تسليط الضوء على بعض الأشخاص دون أن يكون هناك اعتداء على الشخص يكون جائزاً، أما أن نتهم شخصاً بالسرقة أو بجرائم معينة دون أدلة قانونية فهذا أمر مختلف.”

ويؤكد أن الطريق الصحيح هو:

“الدعوة إلى التحقيق، وإلى المحاكمة، والتأكد من الوقائع.”

ويرى أن قد توجد بحق بعض الأشخاص ملفات وأدلة تحتاج إلى مسار قضائي للتحقق منها، لكنها موجودة لدى المنظمات أو الجهات المختصة.

ويضيف:

“من يملك الأدلة تقع عليه مسؤولية تحريك الدعوى، وهو من يجب عليه أن يتخذ هذه الأدلة لدعم مسار العدالة الانتقالية.”

ويشدد:

“العدالة الانتقالية وحدها هي التي ستمنع انتشار الفوضى وتمنع الانتقام، وبدونها سيكون هناك نقص في إرضاء الناس وتزعزع في الثقة بين المواطنين وحكومتهم.”

السؤال حق… لكن الحكم وظيفة القضاء:

يوضح طبلية أن المجتمع يملك حق طرح الأسئلة حول الملفات العامة، لكن لا يجوز تحويل السؤال إلى اتهام نهائي.

ويقول:

“إذا أردنا تسليط الضوء على شخص، يمكن أن نثير الموضوع بصيغة تساؤلات: هل تم التحقيق؟ هل تم التأكد من الموضوع؟”

أما الاتهام المباشر دون دليل، فيتحول إلى اعتداء على الحقوق.

فالمطلوب ليس إسكات المجتمع، بل نقل النقاش من منطق الاتهام إلى مسار التحقيق والقضاء.

الدولة الجديدة… بين حماية الحرية وبناء الثقة:

يرى طبلية أن بناء دولة القانون يحتاج إلى قواعد واضحة.

ويقول:

“يجب أن يكون هناك نصوص قانونية، لأنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني.”

ويؤكد أن المؤسسات القانونية والإعلامية أمام مسؤولية كبيرة في توعية المجتمع بالفرق بين السؤال المشروع والاتهام.

ويقول:

“من حقه أن يسلط الأضواء، لكن ليس من حقه أن يتهم أو يحقر أو يفتري.”

ويربط نجاح المرحلة الانتقالية بقدرة الدولة على تقديم عدالة حقيقية.

ويضيف:

“على الدولة أن تتحلى بالشفافية والوضوح مع الشعب، وأن تقنع الناس بأن العدالة الانتقالية تمضي قدماً، ليس إعلامياً فقط، وإنما فعلياً على أرض الواقع.”

ويشدد على ضرورة أن تكون المحاكمات:

“عامة وشاملة وواضحة للكثير من المجرمين، وليس بشكل انتقائي لشخص أو شخصين فقط.”

تنظيم الحرية لا يعني إلغاءها:

يحذر طبلية من أن القيود غير الواضحة على التعبير قد تتحول إلى وسيلة لتقييد الحريات.

ويؤكد أن أي تنظيم يجب أن يكون محدداً بالقانون، وأن يرتبط بأفعال واضحة مثل التشهير أو القذف أو الاتهام غير المثبت.

ويقول:

“أي إساءة أو تشهير أو اتهام يدخل ضمن الجرائم وليس ضمن حرية التعبير.”

فالهدف ليس إسكات الصوت العام، بل حماية الحرية من أن تتحول إلى اعتداء.

هل تصبح حرية التعبير أساساً لبناء سوريا الجديدة؟

في سوريا الجديدة، لا يكمن التحدي فقط في أن يتحدث الناس بعد سنوات من الصمت، بل في أن تصبح الكلمة جزءاً من مشروع وطني يحمي الحقيقة ويصون الحقوق.

فالعدالة لا تُبنى بالانتقام، والحرية لا تُحمى بالفوضى، والدولة القوية هي التي تحمي النقد المشروع وتحاسب الاعتداء.

ويبقى السؤال أمام المرحلة القادمة:

فهل تكون حرية التعبير في سوريا الجديدة بداية لاستعادة الثقة وبناء العدالة، أم تتحول في غياب المؤسسات إلى ساحة جديدة للصراع وتبادل الاتهامات؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني