فريد وأطرش

0 19

لفريد الأطرش عنوان دمشقي غير مكتوب. ليس بيتاً، ولا شارعاً يحمل اسمه، ولا تمثالاً في ساحة عامة. كان محلاً صغيراً لبيع أشرطة الكاسيت في آخر طلعة التجهيز باتجاه الشعلان، يكفي أن تقترب على بعد مائة من الأمتار حتى تعرف أنك وصلت. قبل أن تقع عينك عليه كان الصوت يسبقك إليه.

ثمة فرق بين أن تحب صوتاً، وأن تمنحه الشارع كله. فريد يغني. دائماً فريد. ومن خلفه فريد آخر. ثم فريد ثالث. كأن الرجل الذي يملك المحل عقد اتفاقاً سرياً مع الزمن على أن يتوقف عند نقطة واحدة من تاريخه، وأن يدور حولها إلى الأبد.

في دمشق تلك الأيام، كانت الموسيقى جزءاً من الشارع. تخرج من المقاهي، الكراجات، ومن سيارات السرافيس، ومن النوافذ المفتوحة في ظهيرات الصيف الطويلة. لكن ذلك المحل كان مختلفاً. لم يكن يكتفي بأن يحب فريد الأطرش، بل كان يريد يفرض حبه على الحي كله. كان مكبر الصوت المعلق فوق الباب يقوم بالمهمة، يوزع فريد على المارة بالتساوي: على العابر المستعجل، وعلى الطالب المتأخر عن جامعته، وعلى الموظف العائد إلى بيته، وعلى العشاق الذين يصعدون نحو الشعلان في المساء.

كان الصوت هناك أشبه بشيء من أثاث الشارع، لا تسأل عنه لأنه موجود دائماً، ومع ذلك يفرض حضوره كما لو أنه شرط خفي للمكان. ومع الوقت لم يعد الناس يقولون: “محل الأشرطة الذي في آخر الطلعة”، بل كانوا يشيرون إليه ببساطة: “محل فريد الأطرش”. هكذا، كأن الرجل لم يعد يبيع الأشرطة، بل يبيع فريد نفسه.

كنت أمر من هناك يومياً تقريباً مع صديق عزيز. كان فناناً بروح مقاتل بطبعه، قبل أن يصبح لاحقاً واحداً من الوجوه المعروفة في العالم العربي. وكان ذلك المحل يستفزه على نحو لا أفهمه تماماً. لم يكن يكره فريد، بل على العكس، كان يحفظ أغانيه ويعرف قيمته ويعترف بموهبته الكبيرة، لكنه كان يتوقف كل مرة عند السؤال نفسه: لماذا فريد وحده؟ لماذا يبدو الأمر وكأن الغناء العربي كله انتهى عند هذا الاسم؟ أين الآخرون؟ أين الأصوات التي سبقت، والأصوات التي جاءت بعده، وأين تلك القارة الواسعة من التجارب التي لا يراها أحد ما دام الجميع يحدقون في الاتجاه نفسه؟

كان يرى أن المشكلة لا تبدأ عند فريد ولا تنتهي عنده. كان يرى أن أي مشهد إنساني، أو فني، أو اجتماعي، أو سياسي حتى، يصبح أفقر حين يُختزل في اسم واحد مهما كانت مكانة صاحبه. وكان يقول إن قيمة فريد لا تحتاج إلى إلغاء الآخرين، كما أن الاعتراف بالآخرين لا ينتقص من قيمة فريد. فالمشهد الواسع لا يصنعه فرد، بل عشرات المواهب والتجارب والاختلافات التي تتجاور وتتنافس. أما حين يتحول اسم واحد إلى عدسة وحيدة للنظر، فإن ما يضيع ليس الآخرين فقط، بل الجزء الأهم من الحقيقة نفسها.

كان يرى أن المشكلة أعمق من الأذواق، أعمق من الفن نفسه. إنها طريقة النظر. فالمشهد حين يتسع لا يزداد ازدحاماً، بل وضوحاً، وعظمة أي اسم لا تكتمل بإقصاء ما حوله، بل بوضعه داخل شبكة من الأسماء والتجارب التي تمنحه حجمه ولمعانه الحقيقي. أما حين ينفرد اسم واحد بالمركز، فإن المركز نفسه يبدأ بالتحول إلى جدار.

وفي إحدى المرات قرر صاحبي أن يبدأ المواجهة، وأن يجادل صاحب المحل مباشرة. دخلنا، وكان فريد يغني بالطبع. لا أذكر الأغنية، لكنني أذكر وجه صاحب المحل، وأذكر الحماسة التي ارتسمت عليه فور أن بدأ الحديث. تصور صديقي أن النقاش سيتجه نحو الفن، نحو المقامات والألحان والتجارب الموسيقية، لكنه اكتشف فوراً أن المسألة لم تكن هناك.

كان صاحب المحل يتحدث عن فريد كما يتحدث الناس عن أفراد عائلاتهم، عن شخص يعرفونه معرفة شخصية، عن شيء يخصهم، عن جزء من حياتهم. وحين حاول صديقي أن يضيف أسماء أخرى إلى المشهد، بدا كأنه يحاول انتزاع شيء من الرجل لا إضافة شيء إليه. لم يكن الخلاف حول الموسيقى، ولا حول فريد، ولا حتى حول الأذواق، بل كان شيئاً آخر تماماً: خلافاً حول معنى النظر نفسه.

صديقي كان يرى أن المشهد يتسع للجميع، وأن عظمة فريد لا تزداد إذا اختفى الآخرون، بل ربما تصبح أوضح حين يُرى وسطهم. أما صاحب المحل فكان يرى الأمور بطريقة مختلفة: كلما اتسعت الصورة شعر أن شيئاً ما يتراجع، وكلما ذُكر اسم آخر خُيل إليه أن اسم فريد يتعرض لانتقاص ما. ولذلك كان يدافع، ليس عن مطرب، بل عن مركز، عن النقطة التي تدور حولها صورته للعالم.

مرت سنوات طويلة بعد ذلك. اختفت أشرطة الكاسيت، واختفت محال الستريو، وتغيرت دمشق نفسها مرات لا تحصى. لكن تلك الحكاية الصغيرة بقيت عالقة في الذاكرة أكثر مما تستحقه مشادة عابرة بين رجلين. ربما لأنني اكتشفت لاحقاً أنها لم تكن عن الموسيقى أصلاً.

كل عصر يصنع فريده الخاص، وكل مرحلة تنجب من يعتقد أن التاريخ يمكن أن يُروى من خلال اسم واحد، اسم يعلو فوق المشهد حتى يحجب ما حوله، واسم يصبح السؤال عنه أسهل من السؤال عما يجاوره. وهنا تحديداً يعود إلى ذاكرتي ذلك السؤال القديم، السؤال الذي لم يفهمه صاحب المحل يوماً على حقيقته.

فصديقي لم يكن يسأل: لماذا تحبون فريد؟ كان يسأل: كيف استطعتم أن تتوقفوا عنده؟ كيف أصبح الباب الذي تدخلون منه إلى العالم كله؟ وكيف يتحول الإعجاب، بهدوء ودون أن يشعر أحد، إلى طريقة في النظر لا ترى ما وراءه؟

وربما لهذا لا تزال بعض الحكايات حية بعد ما يزيد عن أربعين عاماً، لأن الأشخاص يتغيرون، والأسماء تتبدل، والأغاني تخفت، لكن النزعة إلى تحويل إنسان واحد إلى مشهد كامل لا تكاد تغادرنا. ولهذا أيضاً أتذكر ذلك المحل كلما رأيت الناس يتزاحمون حول اسم واحد، وأتذكر صاحبه، وأتذكر صديقي، وأفكر أن المشكلة لم تكن يوماً في فريد، بل في تلك اللحظة التي يتحول فيها الحب إلى عدسة، والعدسة إلى جدار، وفي تلك اللحظة الأدق والأخطر حين يصبح السؤال عن الآخرين أصعب من الدفاع عن الواحد. عندها لا يعود لدينا فريد فقط، يصبح لدينا أيضاً أطرش.!

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني