
الاعتراف – مشروعاً وطنياً
لا شيء يغني الشعب السوري الواحد عن الاعترافات بأخطاء الحقبة السابقة وما ينتج عنها وينبني عليها اليوم ويولّد منها من أخطاء راهنة غير معترف بها:
من تلك الأخطاء أن النظام السابق أعطى حربه صبغة جهادية مقدسة. وقد وقعت حاضنته بهذا الخطأ الكارثي في سني الحرب الأولى، إذ وافقته وصارت تراها جهاداً يتجاوز مفهوم الوطن والوطنية، وكان أشبه بتجاوز دائري عاد بها إلى الخلف فصارت الهوية المذهبية فوق الهوية الوطنية.
وهنا أذكر حادثة حصلت أمامي – ومثلها كثر – كنتُ جالساً مع أستاذي المشرف سنة 2014، وكانت معنا في الجلسة زميلة طالبة دكتوراة. حاولتْ هذه الزميلة أن تعتذر عن ضيق وقتها، فقالت إن زوجها انضم للجيش.
سألها الدكتور مستغرباً: أليس زوجك وحيداً.
قالت: نعم. ولكن أهل الضيعة يعيّرون من يقدر على حمل السلاح ويقعد عن الالتحاق بساحات القتال.
ومن تلك المناظر المؤسفة حقاً أننا كنّا نرى صورَ الأسد وعلمَ البلادِ يُنَصَّبا قصداً فوق المباني المدمّرة والمهدّمة، الخالية من أهلها المهجّرين، وما في ذلك من دلالات رمزية جارحة.
لقد كان الأسد غير واعٍ لتعامل جيشه مع الحالة الكارثية في أكثر من صورة ودلالة وموقف.
نعم، كانت هناك حالة من حالات التضامن الضمني الأقلّياتية ضد المكوّن السني، ولا يمكن معالجة هذا الخطأ بالنكران والتسويغات الإعلامية غير المقنعة، والتي لا ترتقي إلى درجة البداهة المطبوعة في أذهان الناس.
لكنّ ما يجب أن يكون مدركاً وفي الحسبان أن هذه الحالة، من إعطاء الحرب صبغة جهادية فوق وطنية وما رافقها من تضامن ضمنيّ، كان دافعها الخوف من المجهول، وليس السيطرة أو الحقد أو التحامل الطائفي والمذهبي. وهذا ما يجب أن تدركه الطبقةُ السنية التي تشكّلت بعد سقوط النظام، واستيقظت فيها هُويتها المذهبية التي كانت تتبرأ منها وتنكرها بشتى حالات الإنكار المتلبّس بلباس الوطنية.
واليوم ثمة حالة من حالات الهيجان الطائفي السني والسعار المذهبي الكيدي المرافق.
وهي حالة وهمية ستعطي حالة التضامن السابقة شرعيتها بأثر رجعي. وستجعل الوطن دُوَلاً بين غالب ومغلوب، دولةُ البارحة لك ودولة اليوم عليك، ولغدٍ دولته التي عِلمها عند الله.
وثمة قرار عربي اليوم بتسنين سوريا، ليس بطابعها الشامي البرجوازي وإنما بطابع بدوي ما قبل ريفي. وهذا ناتج عن تصلّب النظام طوال سنوات الحرب وانسحابه من الحضن العربي الطبيعي والارتماء بأحضان التشيع الفارسي الشعبوي الذي جعل العرب تشعر بخطر ضياع دمشق بعد ضياع غيرها، فدفعت الغالي والرخيص لاسترجاعها وبشتّى الطرق، من الحرب، إلى المال، فالأمم المتحدة، ثم التحالفات الإقليمية والدولية، ثم استرضاء النظام، وأخيراً صفقة إسقاطه. وكلنا يذكر سنة 2014 كيف ملئت جدران بعض المدن السورية بشتائم العرب والانتقاص من العرق العربي والانتماء إلى العروبة.
وهي حالة عاطفية معروفة عند المكونات العربية التي تأخذ حالة متطرفة من كل انتماء يقلقل عليها وضعها السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي.
كلنا – السوريين – مخطئون وبحاجة إلى اعترافات وطنية صادقة تغسل هذه الأخطاء وتطهر القلوب وتفتح البصيرة على حاضرنا ومستقبلنا…
وعلينا أن ندرك أن حاضنة الأسد أخذت تُراجع موقفها على نحو صامت بعد سنة 2020، وقد اتضح هذا الموقف مع سقوط النظام، إذ كانت هناك حالة عامة من الأمل بوضع أفضل، ونظام سياسي أحسن من نظام الأسد الذي قضى على أجيال كاملة من أبناء حاضنته في حرب عبثية بين أبناء الوطن الواحد والانتماء الواحد، ولكن بعد فوات الأوان.
بيد أن النظام الجديد خيّب الآمال وانساق وراء ردّة الفعل الآلية الغريزية غير السياسية وغير الوطنية المصنوعة بتأثير حقبة الحرب.
وكان للطبقة السنية المتشكلة بعد سقوط النظام دور كبير في دعم السردية الطائفية لكارثة الحرب؛ إذ في ذلك مصلحة يعفيها من مسؤوليتها الأخلاقية والثورية في صمتها تجاه ما كان يجري من قتل وتهجير واعتقالات وغير ذلك، بل إن كثيراً منها كان يعطي ما يحصل بعداً وطنياً ليعفي نفسه أو ليسوغ وقوفه إلى جانب النظام.
وهذه الطبقة التي كانت تتحمل قسطاً كبيراً مما جرى، هي اليوم تتحمل القسط الأكبر من إعطاء الوضع الراهن بعداً طائفياً، كانت قبل السقوط تنكره وتتبرّأ منه جهراً أو صمتاً.
يجب على النظام الجديد الاعتراف بأن ما حصل حرب عبثية طغت على مفهوم الثورة، وأن ما حصل لهم منه نصيب من المسؤولية. ولا بد من أن يرافق ذلك إعطاء القتلى، كل من لم يقترف موبقات شنيعة من قتل طائفي، وسلب ونهب وسرقة وتعذيب وتنكيل، لا بد من إعطائه صفة الضحية أو الشهيد، من أي طرف كان.
لكن هذا كله بعد اعتراف جامع مطهّر، ومن جهات الصراع كلها، كلّ على حسب مسؤولياته.
وهذا الاعتراف يكون في مؤتمر وطني عام، ترشّح له كلّ جهة سياسية ومكوّن من مكوّنات الوطن ممثّلين عنها، يجتمعون ويعترفون، ومنهم يتم اختيار لجان وطنية دستورية وتشريعية وما يتفرّع عن ذلك.