من هزيمة داعش إلى استقرار لبنان

0 20
هل يقترب الشرق الأوسط من تحالفه الحاسم؟

يعلمنا التاريخ أن التحديات الكبرى لا تهزمها الدول منفردة، مهما بلغت قوتها العسكرية أو الاقتصادية. فعندما يواجه العالم خطراً يتجاوز حدود دولة واحدة، تصبح التحالفات الواسعة ضرورة وليست خياراً. ومن الحرب العالمية الثانية إلى تحرير الكويت، ومن مواجهة داعش إلى أزمات أخرى، كان العامل المشترك دائماً هو توحيد الجهود السياسية والعسكرية حول هدف واضح.

وقبل الحديث عن التحالفات الدولية وتجارب التاريخ، لا بد من الإشارة إلى أن استقرار لبنان لا يمثل قضية لبنانية داخلية فحسب، بل يشكل مصلحة استراتيجية مباشرة لسوريا أيضاً. فالبلدان يرتبطان بحدود طويلة ومصالح اقتصادية واجتماعية وأمنية متشابكة، وأي اضطراب كبير في لبنان ينعكس تلقائياً على سوريا، كما أن أي استقرار لبناني يفتح آفاقاً أوسع للتعاون والتنمية وإعادة الإعمار في المنطقة. ومن هذا المنطلق، يرى بعض المراقبين أن أي دور سوري محتمل يهدف إلى دعم استقرار لبنان وتعزيز سلطة الدولة ومؤسساتها لا ينبغي النظر إليه باعتباره تدخلاً في الشأن اللبناني، بل باعتباره جزءاً من معادلة أمنية ومصلحية مشتركة تخدم البلدين معاً.

في أربعينيات القرن الماضي، تشكل تحالف دولي واسع لمواجهة ألمانيا النازية، وانتهى بانتصار الحلفاء عام 1945. وبعد ذلك بنحو نصف قرن، قادت الولايات المتحدة تحالفاً ضم أكثر من ثلاثين دولة لتحرير الكويت عام 1991. وفي عام 2014، اجتمعت عشرات الدول في تحالف دولي لمواجهة تنظيم داعش بعد تمدده في سوريا والعراق. وفي كل هذه الحالات كان الدرس واحداً: عندما يكون التهديد عابراً للحدود، تكون المواجهة الجماعية أكثر فاعلية من الجهود الفردية.

اليوم يعود هذا المنطق إلى الواجهة مع الحديث المتداول عن تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تشير إلى إمكانية اضطلاع سوريا بقيادة الرئيس أحمد الشرع بدور أكبر في مواجهة حزب الله. وبغض النظر عن تحول هذه التصريحات إلى سياسة رسمية، فإنها تعكس نقاشاً متزايداً حول مستقبل النفوذ الإيراني في المنطقة ودور التنظيمات المسلحة خارج إطار الدول.

فعلى مدى عقود، شكل حزب الله أحد أهم أدوات النفوذ الإيراني في المشرق العربي. ومع اندلاع الحرب السورية، انتقل الحزب من الساحة اللبنانية إلى المشاركة المباشرة في الصراع السوري، ما جعله لاعباً إقليمياً أكثر منه قوة لبنانية محلية. ويرى منتقدوه أن هذا التدخل أسهم في تعقيد الأزمة السورية وربط لبنان بصورة أكبر بصراعات المنطقة.

كما يعتقد هؤلاء المنتقدون أن المشكلة لا تقتصر على السلاح أو التدخل العسكري، بل تشمل أيضاً رؤية أيديولوجية تتجاوز مفهوم الدولة الوطنية وتربط القرار السياسي والعسكري بمشروع إقليمي أوسع. ومن وجهة نظرهم، فإن المنطقة دفعت ثمناً باهظاً بسبب الصراعات العقائدية التي استنزفت الموارد وأعاقت التنمية والاستقرار.

وفي المقابل، تشهد المنطقة تحولات عميقة. فالكثير من دول الشرق الأوسط بات يركز على التنمية والاستثمار وإعادة بناء الاقتصادات، بينما تتطلع الأجيال الجديدة إلى فرص العمل والتعليم والتكنولوجيا أكثر من تطلعها إلى الصراعات المفتوحة والشعارات السياسية التقليدية.

من هنا يرى بعض المراقبين أن أي تحالف إقليمي أو دولي محتمل في المستقبل لن يكون هدفه خوض حرب جديدة بقدر ما سيكون جزءاً من مشروع أوسع لتعزيز سلطة الدول الوطنية وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وإنهاء مرحلة النفوذ المسلح العابر للحدود.

لقد أثبت التاريخ أن التحالفات الكبرى كانت دائماً طريقاً لحسم التحديات الكبرى. أما الحلم الذي تتطلع إليه شعوب الشرق الأوسط اليوم، فهو أن تطوى صفحة الصراعات أخيراً، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها الدولة والاستقرار والتنمية.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني