
رفضك والدي، قالتها وبريق دمعة تتلألأ في مآقيها. صفعة تلقّيتها…
– لأنّي فقير؟
– ليس لهذا…، ونظرت إلى السماء، تنهّدت وخرجت الحروف متقطّعة من بين شفتيها قسراً، وهمست: لا يصاهر مجهول النسب.
رصاصة رحمة أطلقتها على رأسي، كدت أتهاوى فتمالكت…، وأنتِ؟ كانت شاحبة…، وزائغة النظر. لم تجب، أشارت بيدها ومضت عائدة؛ فشيّعتها حتى اختفت في الزقاق المؤدي إلى دارها.
جلست على حجر، وبدأت أسترجع الأيام منذ أن وعيت على الدنيا؛ وأنا أدرج إلى المدرسة. في الصف الأول تساءلت: كلّ الأطفال تشبه آباءها إلّا أنا، وجنة بيضاء، وشعر أشقر لوالدين سمراوين. أخبراني: هذه الصفة ورثتها عن جدٍ لوالدتي، وصدّقت. الآن ما كان مبهماً يُنكأ ثانية، وينكزني لأواجه الحقيقة، فما العمل؟
بخطوات متثاقلة سرت هائماً…، الأرض تترجرج تحت قدمي كأني أمشي في وحل. تائهاً أجرجر رجليّ بعنت شديد، والأفكار تتصارع في جمجمتي: مَن أنا؟ ولم أشعر كيف وجدت نفسي أطرق بابها. خرج أبو حسان عابساً: ماذا تريد؟ لا أزوّج ابنتي من أمثالك، سل والديك…، اذهب…، وصكّ البوّابة في وجهي.
تفتّقت الأسئلة: أأنا لقيط فعلاً؟ أين وجداني؟ هل تبنياني من ميتم أم من دار للمشردين؟ كيف عشت جاهلاً…؟ ولماذا عطفا عليّ وربياتي؟ وكالثمل غير مدرك لما حولي وصلت، لم ألقِ التحية على أمّي، ودخلت الغرفة وارتميت على السرير منكباّ على الوسادة، وأجهشت…
ربّتت أمّ عصام على كتفي بحنان، وقلبتني فرأتني مكفهرّاً، محمرّ العينين، ولأول مرة تشاهدني منهاراً، لقد خضضتَ قلبي، ما بك يا ولدي؟ أرجوكِ … أصدقيني الخبر، ما حكايتي التي اخفيتموها عني…؟ فردّت: ما قصتك؟ نطقتها حادة ومرتبكة. ناداها أبو عصام: تعالي، جلبت لك ما طلبته؛ فأسرعت إليه هاربة من الإجابة، وأخبرته بأمري، فاستجوبني …، واصطحبني إلى أبي حسان حيث استقبلنا خجلاً – لأن أبي وإن كان فقيراً فإن الجميع يقدرونه ويحترمونه لاستقامته، ورجاحة عقله، وعلمه – وقدم القهوة المرّة مقطباً ولم تنفرد أساريره، وأنا أنكمش في المكان تحسّباً لأيّ إهانة قد تمسّ كرامة والدي، ورجاه أن يجلس، وبادره: يا أبا حسان، أنت خير من يعرف عصاماً، وأخلاقه وسجاياه، لقد ربيناه على صدق اللسان، وحفظ الأخوان، والحرص على عمل الخير مهما كان، وتعلّم حتى تخرّج في الجامعة، ونحن ما جئنا إلّا لنتشرّف بحسبكم ونسبكم، ونطلب يد كريمتكم. تلعثم أبو حسان وهو يتفوّه بكلماته، يا أبا عصام، أنت التقطّته ليلاً ولم تسأل مَن أنجبه، وما محتده؟ فكيف لي أن أوافق على طلبك؟ ضع نفسك مكاني؟
– يا أخي، ليس بغريب، تلك الليلة هدم الزلزال معظم المنازل، ودُفن تحت أنقاضها أكثر ساكنيها، وعصام نجا بفضل ربّ كريم، وعوّضني به عن ابني الذي أضعته فيها، وما بخلت عليه بشيء، وما قصّرت في تربيته، وتعليمه، وكلّ مَن صاحبه يشيد به، فما الذي يعيبه؟
– المثل يقول: “الأصل بالبصل يعين”، أمّا المصريون فيؤكدون: “على الأصل دوّر”، وعصام لا ندري أحقاً هو ابن شرعي أم.. فقاطعه: لا تكمل، كلنا ندري أن الكثيرين يتزوّجون، وزوجاتهم لا يحببن أزواجهن، وهنّ مغتصبات بصورة أو أخرى، وأنجبن مكرهات، فهل ابن المغتصبة مؤصل لأن أباه فلان ظاهراً؟ وهذا الشاب الذي تراه هنا لو لم يكن والداه عاشقين بعضهما ما وضعه القدر أمامي؟
– يا صديقي، هذا ما تقوله أنت، وربما تقتنع به، أمّا أنا والآخرون فلا…
– أهذه إجابتك…؟
– نعم،…
وخرجنا نجر ذيل خيبتنا…
قررت السفر، ومساء يوم مغادرتي وصلتني رسالتها، كلمة وثلاث نقاط: ” أنتظرك…”. واغتربت خمس عشرة سنة، فقدت خلالها أبا عصام، وظلّت أمّي وحيدة. انتابني إحساس بالوحدة، ومللت الأسفار ورغبت بالعودة علّني ألتمس الراحة مع أم عصام، ومَن بقي من الأصدقاء عزاء عن سنوات الوحشة التي عشتها بعيداً.
في صالة الاستقبال بالمطار كانت تلك العجوز بين المستقبلين تلوّح بمحرمتها، تقدّمت منها، طوّقتها بذراعي وقبّلت جبينها، وتوجّهنا إلى مستقرنا. سألتها عن سهام؛ فأجابت: توفّي أبو حسان، ومازالت عزباء. تلمّست الورقة في جيبي، أخرجتها ودسستها في قبضتها، وشددت عليها: أوصليها لها، قرصت أذني ضاحكة…
ذهبتْ إليها صباحاً والبسمة تزيّن محياها، وسلّمتها وديعتي، تناولتها بيد مرتجفة، طوتها بعناية: يا خالتي، ردّيها له ليحتفظ بها، لقد عزفت عن الزواج. فأنا نسيت سنين الانتظار، ولست رهينة لمَن غاب أعواماً دونما سؤال…
– يا بنيّتي، أتيتك خاطبة، فلا تظلمي كليكما ثانية، أناشدك بحق ما بينكما…، هذه التي كتبتها بخط يدكِ، واحتفظ بها حتّى اصفرّت وتهرّأت من كثرة ما راجعها في ليالي الاغتراب العصيبة ألا يمكنها أن تلتمس له عذراً؟! فابتسمت خفراً…
الخميس 2026/4/9