كيف يمكن للمنطقة الشرقية أن تقود قطار التنمية السوري؟

0 32
المركز الذي يسكن الأطراف.. من خزان للموارد إلى قاطرة للنهوض الوطني

ليست كل الخرائط صادقة، ففي السياسة تبدو العواصم مراكز للدولة، لكن في الاقتصاد قد تسكن القوة الحقيقية بعيداً عنها. وقد يحدث أحياناً أن تتحول الأطراف إلى مركز فعلي للإنتاج والثروة، بينما يبقى المركز الجغرافي مركزاً للإدارة والقرار فقط.

هذه المفارقة تنطبق على المنطقة الشرقية السورية أكثر من أي منطقة أخرى.

فعلى امتداد دير الزور والرقة والحسكة، لا نجد مجرد ثلاث محافظات متجاورة، بل نجد إقليماً استراتيجياً يجمع بين الطاقة والغذاء والمياه والمساحة والموارد البشرية. وهي العناصر التي شكلت عبر التاريخ أساس قوة الدول واستقرارها.

ومع ذلك، ظل الشرق السوري يُقرأ غالباً بوصفه طرفاً جغرافياً يحتاج إلى التنمية، لا بوصفه مركزاً اقتصادياً يمتلك القدرة على قيادتها.

اليوم، وفي لحظة البحث عن مسار حقيقي للتعافي الاقتصادي، يبرز سؤال مختلف:

أين تقع قاطرة التنمية السورية؟ فالقطارات لا تتحرك من العربات الخلفية، بل من القاطرة.

وليس الحديث هنا عن ثلاث محافظات هامشية أو محدودة التأثير. فالمنطقة الشرقية تمتد على ما يقارب 40% من مساحة سوريا، وتحتضن الجزء الأكبر من مواردها النفطية والغازية والمائية والزراعية، كما تضم كتلة سكانية كبيرة وشابة تمثل جزءاً مهماً من رأس المال البشري الوطني. وعندما تجتمع المساحة والموارد والموقع الجغرافي والطاقات البشرية في إقليم واحد، فإن الحديث لم يعد عن منطقة تحتاج إلى التنمية فحسب، بل عن منطقة قادرة على قيادة التنمية نفسها.

من هذه الزاوية، لا تبدو دير الزور والرقة والحسكة مجرد محافظات ضمن الخريطة السورية، بل تبدو المرشح الأكثر منطقية لقيادة دورة نمو وطنية جديدة.

لكن المشكلة لم تكن يوماً في نقص الموارد. فكثير من الدول امتلكت النفط والغاز والأراضي الخصبة وفشلت في تحقيق التنمية. والفارق بين النجاح والفشل لا تصنعه الثروة وحدها، بل تصنعه الرؤية والمؤسسات.

وهنا تبرز أهمية الدرس الذي تقدمه دبي للعالم. فنجاح دبي لم يكن نتيجة امتلاك النفط، بل نتيجة استخدامها النفط لبناء اقتصاد يتجاوز النفط. ولم يكن جوهر أجندة دبي الاقتصادية D33 زيادة الاعتماد على الموارد الطبيعية، بل توظيفها لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة والاستدامة، يقوم على الاستثمار والتجارة والخدمات والابتكار والبنية التحتية المتقدمة.

هذا هو الدرس الذي يمكن أن تستفيد منه سوريا. ليس المطلوب أن تصبح المنطقة الشرقية نسخة من دبي، ولا أن تستنسخ تجربة مختلفة في ظروف مختلفة، بل أن تتبنى الفلسفة التي وقفت خلف نجاحها: تحويل الموارد الأولية إلى رأس مال تأسيسي لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية وتنوعاً.

فدير الزور لا ينبغي أن تكون مجرد محافظة نفطية، بل مركزاً للصناعات الطاقية والبتروكيميائية والتحويلية. والحسكة لا ينبغي أن تبقى مجرد سلة غذاء، بل قاعدة للصناعات الزراعية والغذائية الحديثة. أما الرقة، فإن موقعها الجغرافي يؤهلها لتكون عقدة لوجستية وتجارية تربط الإنتاج بالأسواق المحلية والإقليمية.

والميزة التي تمتلكها المنطقة الشرقية وتتجاوز كثيراً من التجارب المشابهة أنها لا تملك الموارد الطبيعية فقط، بل تملك أيضاً مورداً لا يقل أهمية عنها: الإنسان.

ففي الوقت الذي احتاجت فيه تجارب تنموية عديدة إلى استقدام ملايين العمال من الخارج، تمتلك المنطقة الشرقية وسوريا عموماً مخزوناً بشرياً كبيراً وشاباً يعاني من البطالة والهجرة وضعف الفرص الاقتصادية. ولذلك فإن التنمية هنا لا تعني استثمار النفط والقمح والمياه فحسب، بل استثمار الإنسان السوري نفسه.

لكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر من مشاريع متفرقة واستثمارات متناثرة.

إنه يتطلب عقداً اجتماعياً تنموياً جديداً يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والأقاليم المنتجة للثروة.

عقداً يقوم على الشراكة لا الاستخراج، وعلى القيمة المضافة لا الريع، وعلى توزيع فرص التنمية لا توزيع عوائدها فقط.

عقداً يشعر فيه المواطن أن الثروة الوطنية تتحول إلى فرص عمل وإنتاج واستثمار واستقرار، لا إلى أرقام في التقارير والموازنات.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية وطنية طويلة الأمد، وإلى مؤسسة قادرة على قيادة هذا التحول، سواء عبر هيئة عليا لتنمية المنطقة الشرقية أو أي إطار استراتيجي مشابه يربط بين الطاقة والزراعة والصناعة والنقل والاستثمار ضمن مشروع تنموي متكامل.

في النهاية، لا تكمن أهمية المنطقة الشرقية في أنها تمتلك النفط أو القمح أو المياه فقط.

بل في أنها تمتلك ما هو أكثر أهمية: القدرة على أن تكون القاطرة التي تجر قطار التنمية السوري بأكمله.

فإذا نجحت سوريا الجديدة في تحويل الشرق من خزان للموارد إلى مركز للإنتاج والاستثمار والابتكار، فإنها لن تكون قد أعادت بناء منطقة واحدة فقط، بل ستكون قد وضعت الأساس لـ عقد اجتماعي تنموي جديد تتصالح فيه الثروة مع التنمية، وتتصالح فيه الأطراف مع المركز، ويتحول فيه المركز الذي سكن الأطراف طويلاً إلى قوة تدفع البلاد كلها نحو المستقبل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني