تنافس المظلوميات في سوريا وأثره على بناء الدولة الوطنية

0 28

تَعرَضَ السوريون بمختلف انتماءاتهم لموجات متلاحقة من العنف والتهجير والاعتقال والخسائر الاقتصادية والاجتماعية. ومع تراكم هذه المآسي، نشأت لدى مختلف المكونات السياسية والاجتماعية والدينية والإثنية روايات خاصة عن الألم والمعاناة. غير أن المشكلة لم تعد مقتصرة على وجود مظالم حقيقية تحتاج إلى اعتراف ومعالجة، بل برزت ظاهرة أكثر تعقيداً تتمثل في “تنافس المظلوميات”، حيث تسعى كل جماعة إلى إثبات أنها الأكثر تعرضاً للظلم والأكثر استحقاقاً للتعاطف والتمثيل والامتيازات السياسية. هذه الظاهرة ليست حكراً على سورية، فقد عرفتها دول عديدة خرجت من الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، إلا أن خطورتها في الحالة السورية تكمن في تزامنها مع مرحلة إعادة بناء الدولة والبحث عن عقد اجتماعي جديد يجمع السوريين بعد سنوات طويلة من الانقسام.

من الاعتراف بالمعاناة إلى احتكار دور الضحية

من الطبيعي أن تطالب الجماعات التي تعرضت لانتهاكات بالاعتراف بمعاناتها. فالعدالة تبدأ من الاعتراف بالضرر. لكن الخط الفاصل بين الاعتراف المشروع بالمظلومية وبين تحويلها إلى أداة سياسية دائمة غالباً ما يكون دقيقاً. يمكن العثور على أمثلة متعددة لهذا التنافس. هناك من يركز على عقود من القمع السياسي والاعتقالات التي طالت المعارضين، وهناك من يسلط الضوء على التهميش الاقتصادي الذي عانت منه بعض المناطق الريفية لعقود. كما تبرز جماعات تتحدث عن مظالم مرتبطة بالهوية الدينية أو الإثنية أو المذهبية، بينما يؤكد آخرون أن معاناة المهجرين واللاجئين هي القضية الأكثر إلحاحاً. جميع هذه المظالم حقيقية بدرجات مختلفة، لكن الإشكالية تظهر عندما تتحول إلى سرديات متنافسة لا تعترف بمعاناة الآخرين، بل تسعى إلى احتكار صفة الضحية.

أمثلة من التجارب الدولية

يمكن فهم خطورة هذه الظاهرة من خلال تجارب دول أخرى. ففي لبنان، ساهمت الذاكرات المتنافسة للحرب الأهلية في ترسيخ الانقسام الطائفي لعقود طويلة، حيث احتفظت كل طائفة بروايتها الخاصة عن الضحية والجلاد، ما أعاق بناء هوية وطنية جامعة. وفي البوسنة والهرسك، استمرت الجماعات القومية المختلفة في توظيف مظلوميات الحرب لتعزيز مواقعها السياسية، الأمر الذي أبقى المجتمع منقسماً رغم مرور سنوات طويلة على انتهاء النزاع. في المقابل، قدمت جنوب أفريقيا نموذجاً مختلفاً بعد انتهاء نظام الفصل العنصري، إذ سعت مؤسسات العدالة الانتقالية إلى الاعتراف بمعاناة الضحايا كافة ضمن إطار وطني جامع، بدلاً من تحويل المظلومية إلى أساس دائم للمنافسة السياسية.

التأثير على بناء الدولة الوطنية

تعتمد الدولة الوطنية الحديثة على مبدأ المواطنة المتساوية. لكن عندما تصبح المظلومية هي المصدر الأساسي للشرعية السياسية، يتراجع مفهوم المواطن لصالح مفهوم الجماعة المتضررة. في هذه الحالة، لا يعود السؤال: ما هي حقوقي كمواطن؟ بل يصبح: ما هي حقوق جماعتي مقارنة بالجماعات الأخرى؟. وهنا تبدأ عملية تفتيت المجال الوطني إلى مجموعة من الهويات المتنافسة، لكل منها روايتها التاريخية ومطالبها الخاصة. وتنعكس هذه الظاهرة على مؤسسات الدولة نفسها. فبدلاً من السعي إلى بناء مؤسسات محايدة تخدم الجميع، تظهر ضغوط لتوزيع المناصب والموارد وفق اعتبارات المظلومية التاريخية أو التمثيل الفئوي، ما يهدد كفاءة المؤسسات واستقرارها على المدى الطويل.

دور الإعلام في تغذية المظلوميات

أسهمت وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل الاجتماعي في تعميق هذه الظاهرة. فغالباً ما يتم عرض الأحداث ضمن روايات أحادية تؤكد معاناة جماعة معينة وتتجاهل معاناة الآخرين. كما تؤدي الخوارزميات الرقمية إلى تعزيز ما يعرف بـ”غرف الصدى”، حيث يصل الأفراد فقط للمعلومات التي تؤكد قناعاتهم المسبقة. فعندما يشاهد كل طرف صور ضحاياه فقط، ويستمع إلى روايته فقط، يصبح من الصعب بناء تعاطف متبادل أو ذاكرة وطنية مشتركة.

نحو ذاكرة وطنية جامعة

لا يمكن بناء سوريا المستقبل عبر إنكار المظالم أو تجاوزها، كما لا يمكن بناؤها من خلال تحويل كل مظلومية إلى مشروع سياسي مستقل. المطلوب هو الاعتراف المتبادل بمعاناة جميع السوريين، وربط العدالة بمبادئ القانون والمواطنة لا بالانتماءات الضيقة. وإن نجاح أي مشروع وطني سوري يتوقف على القدرة على الانتقال من منطق من عانى أكثر؟ إلى منطق كيف نمنع تكرار المعاناة للجميع؟. فالدولة لا تُبنى على تنافس الضحايا، بل على توافق المواطنين حول قيم العدالة والمساواة وسيادة القانون.

في نهاية الأمر، قد تكون أكبر مظلومية عاشها السوريون خلال العقود الماضية هي غياب الدولة الوطنية القادرة على حماية جميع أبنائها دون تمييز. ولذلك فإن تجاوز تنافس المظلوميات، بالتوازي مع تطبيق عدالة انتقالية شاملة تنصف الضحايا وتحاسب الجناة وتكرس التبرؤ الاجتماعي من مرتكبي الجرائم، ليس مجرد شرط للمصالحة الوطنية، بل هو شرط أساسي لقيام دولة سورية حديثة ومستقرة تستند إلى المواطنة وسيادة القانون، لا إلى ذاكرة جراح وصراعات الماضي.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني