نهاية القطبية الأحادية: العالم يدخل عصر الأقطاب الخمسة

0 2٬102

1- الولايات المتحدة الأمريكية

لم تطل مدة بقاء الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة كثيراً حيث تربّعت على عرش القطبية الأحادية لعدة عقود فقط، بدأت بالانهيار المفاجئ للاتحاد السوفييتي في بداية العقد الأخير من القرن الماضي واستمرت إلى أوائل العقد الثالث من القرن الحالي.

انتزعت الولايات المتحدة القطبية العالمية من بريطانيا العظمى بانتهاء الحرب العالمية الثانية وكان الانتزاع سلمياً حيث خرجت بريطانيا من الحرب منتصرة ولكنها محطمة وأصبحت دولة كبرى تدور في الفلك الأمريكي.

استحقت الولايات المتحدة تلك المكانة نظراً لإمكاناتها الهائلة وقد تمكنت في القرن العشرين من الانتصار في ثلاثة حروب عالمية، حيث كان لدخولها في الحرب العالمية إلى جانب الحلفاء دوراً حاسماً في خسارة ألمانيا لتلك الحرب، كما أنّ الانخراط الأمريكي في الحرب العالمية الثانية كان أساسياً لهزيمة ألمانيا النازية وتحطيم الإمبراطورية اليابانية، وفي مرحلة الحرب الباردة خاضت الولايات المتحدة حربها الباردة مع الاتحاد السوفييتي، إذ لم يعد معقولاً الاشتباك المباشر بين الأقطاب نظراً لامتلاكهم الأسلحة النووية فكانت الحروب تتم بالوكالة والصراع يكون علمياً واقتصادياً لفرض الهيمنة وبالتالي النموذج.

ساد النموذج الأمريكي في أجزاء كبيرة من العالم وطبعت الولايات المتحدة النظام الدولي بطابعها وسيطرت عليه حيث تمكنت من فرض عملتها كوسيلة تداول عالمية وسيطرت على النظام المالي العالمي وأنشئت الأمم المتحدة ومنظماتها كقواعد للنظام الدولي الجديد واستخدمت كل ذلك لفرض هيمنتها على العالم ولتسعير حربها الباردة على المنافس الشيوعي والذي فشل في مجاراتها لأنّ نموذجه كان يملك في بنيته بذور فنائه.

فهم الأمريكان أنّ القوة العسكرية هي أحد عناصر القوة وليس كلها وهو ما لم يدركه السوفييت، كما أنّ الأيديولوجيا لا يمكن الإنفاق عليها من مقدرات الشعوب فقط بل لابد من إيجاد التمويل لها بمعنى أنّ التوسع في التمدد والسيطرة دون خلق موارد إضافية سيكون كارثياً، بحيث اعتمدت المنظومة التي يقودها الاتحاد السوفييتي على الموارد من المركز بحجة الولاء وبالتالي انهار الصرح العظيم الشرقي مع مرور الوقت وفاز بالمباراة النموذج الغربي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية.

2- الصين:

كانت عقدة الصينيين ما يسمونه بقرن الاهانة الذي بدأته بريطانيا بحرب الأفيون وتم استباحة الصين من جميع الجيران الطامعين فيها وخاصة اليابانيون، ولم ينتهِ قرن الإهانة إلا بانتصار الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ 1949 وتحرير البلاد مع احتفاظ الغرب بجزيرة تايوان.

 كانت العقيدة الاستراتيجية الصينية دائماً دفاعية وتجسدت ببناء سور للصين يحميها من الغزوات الخارجية، كما انها لم تكن ترى نفسها دولة بحرية ترغب في الغزو ومدّ نفوذها إلى خارج حدودها واعتمدت الطرق البرية (طرق الحرير) في تجارتها، ولأنّ الصين أدركت فشل النظرية الشيوعية في الاقتصاد وأدركت تهاوي النموذج السوفييتي باكراً ولتجاوزه خلقت نموذجاً جديداً يزاوج بين الاستبداد السياسي وحكم الحزب الواحد وبالتالي الفرد الواحد وبين النموذج الرأسمالي الاقتصادي الذي أثبت نجاحه.

وحتى الآن يعتبر النموذج الصيني تجربة مميزة وفريدة لا نعرف مآلاتها المستقبلية على المستوى البعيد، لكن بفضل النموذج الجديد نهضت الصين بسرعة صاروخية من دولة متخلفة يعاني معظم شعبها من الجوع إلى القوة العظمى الثانية المنافسة للولايات المتحدة وأثبتت أنّ الموارد البشرية هي الأساس في صنع التفوق وليس الموارد الطبيعية المخزونة في باطن الارض.

لا يخفي الأمريكيون توجسهم من الصين ومنافستها لهم في قطبيتهم الأحادية ونشروا ذلك علناً في الوثيقة (المكتوبة) حول الاستراتيجية الأمريكية المنشورة في أواخر العام الماضي وأوضحوا أنّ الصين هي المنافس الأول لهم.

تغطي صورة الصين القوة الاقتصادية لكنها في الحقيقة لم تنهج النهج الياباني أو حتى الألماني بعدم الاهتمام الكافي في بناء القدرات العسكرية وأيضاً كما أشرت عدم الوقوع في الفخ السوفييتي ببناء قدرات عسكرية كبيرة واقتصادية متوسطة، حيث لتكون دولة عظمى لابدّ من الريادة بكل المجالات..

3- روسيا الاتحادية:

تملك روسيا كل مقومات القوة العظمى ولها تاريخ موغل في القدم بمعنى لها بعد حضاري وقد ورثت روسيا البوتينية إرثاً لابأس به من القوة السوفييتية وتتميز روسيا بخمسة مقومات ضرورية للقوة العظمى، فهي تملك البعد الديني باعتبارها مرجعية للأرثوذوكس في العالم بمعنى وريثة الكنيسة الشرقية، كما أنها تملك حق النقض “الفيتو” في مجلس الأمن كونها عضواً دائماً فيه، وتملك باطن الأرض وظاهرها، بمعنى أنها تملك كل الثروات التي تستخرج من باطن الأرض وأهمها النفط والغاز وتملك أكبر محصول استراتيجي لغذاء البشرية وهو القمح، كما أنها تملك ترسانة مرعبة من الأسلحة وتقوم هي بتصنيعها ومنها 5000 رأس نووي إضافةً لعلوم الفضاء والأقمار الصناعية.

لا تملك روسيا أيّ نموذج لتصديره ولا أيدولوجيا تتبناها وإنما هي دولة تبحث عن مصالحها، وظهرت قوتها في الحرب الأوكرانية حيث لم تستطع دول الناتو مجتمعة هزيمتها.

4- أوروبا

يطلق عليها الأمريكان المحدثون لقب القارة العجوز، وهي قطب اقتصادي عالمي وتضم دولتان نوويتان وعضوان دائمان بمجلس الأمن (فرنسا وبريطانيا) وتعتبر ألمانيا وحدها قاطرة أوروبا الاقتصادية ورابع اقتصاد في العالم، استكانت أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية للحماية الأمريكية ودارت في فلكها وتخلت عن لعب أيّ دور رئيسي مستقل في العالم بمعنى لم يتم ترجمة القوة الاقتصادية لقطبية استراتيجية.

صحت أوروبا من سباتها الاستراتيجي عندما طرق الدب الروسي أبوابها الشرقية ووجدت نفسها غير قادرة على الدفاع عن نفسها بدون القوة الأمريكية أو الناتو مجتمعاً، ومنذ 2022 تغيرت كل الاستراتيجيات الأوربية باتجاه بناء قوة عسكرية حقيقية، وعسكرة جزء من صناعاتها المدنية وبناء جيوش كبيرة ويرى بعضهم أنّ عقداً من الزمن كفيل بان تُنتج عمليات البناء الأوربية وتتحول إلى قطب عالمي مستقل، خاصة أنّ إدارة الرئيس ترامب عاملتها بازدراء ودونية متهمة إياها بعدم الإنفاق العسكري والاعتماد على المظلة الأمريكية، ودعوات الخروج الأمريكي من الناتو ليست بدعة ترامبية بل بدأها الرئيس بايدن قبله بالانضمام إلى تحالف أوكوس في المحيط الهادئ لمواجهة الصين معتبراً أنّ موسكو لا تشكل أي تهديد للمصالح الأمريكية وكل التهديد الذي يجب توجيه الجهود إليه هو المارد الأصفر في الشرق.

بالطبع تملك الدول الأوروبية مجتمعة كل مقومات القوة العظمى وأعتقد أنهم سائرون على هذا الطريق.

5- القطب الإسلامي

بدأت بوادر تنسيق وتعاون تظهر بين دول إسلامية مهمة حيث أدرك الجميع أهمية عدم المراهنة على أية حماية خارجية، وكانت بوادر التعاون قد بدأت بالظهور قبل الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

يملك العرب والمسلمون السنّة كل المقومات لإنشاء قطب عالمي وذلك بعد قرن من غياب الدولة العثمانية التي كانت تُعبّر عن القوة السياسية لمسلمي العالم، كانت الأخطار تلفّ قلب العالم المسلم من كل الجهات، فهو في صدام حتمي مع المشروع الديني الإيراني الذي يضمر الشر للأمة، وصدام مشابه مع المشروع الإسرائيلي الذي هو طليعة المشروع الأمريكي في المنطقة، وقد أثبتت الحرب الأخيرة زيف الحماية الأمريكية بل عدم المبالاة بالمصالح والأمن العربي عموماً، حيث لم تُبالِ الإدارة الأمريكية من جعل قلب العالم الإسلامي ساحة للحرب في سبيل مصالحها مع الكيان الإسرائيلي، إضافةً لعدم تخييب إيران ظنّ الجميع بأنها عدو للمسلمين السنة عموماً.

بنت باكستان قوتها النووية لإحداث الردع الاستراتيجي وتوازن القوى مع الهند والتفتت لتعزيز مواقعها في العالم الإسلامي الذي تنتمي إليه، فيما لم تستسلم تركيا لزيف الحماية من الناتو واختبرت ذلك بنفسها في سوريا وبدأت بتصنيع سلاحها بنفسها وإجراء مقاربة واقعية لعلاقاتها بجنوبها المسلم، فيما لا تحتاج المملكة العربية السعودية لإخفاقات أخرى من حليفها الأمريكي الذي خذلها مرات عديدة قبل الحرب الأخيرة كالعدوان الإيراني على آرامكو 2019 وعدم السماح لها بحسم الحرب مع الحوثي عندما كان ذلك ممكناً.

ستتبلور النواة السعودية – التركية – الباكستانية لتنسيق استراتيجي أعمق وتجري محاولات لإدخال مصر في هذا المعترك ولن يطول الزمن كثيراً لتبلور هذا القطب الذي يملك جغرافيا وديموغرافيا وعمقاً حضارياً وثروات هائلة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني