التغيير الذي ينتظره السوريون
في الدول التي تمرّ بتحولات كبرى لا يكون التغيير الحقيقي مجرد تبديل أسماء على أبواب الوزارات ولا إعادة تدوير الوجوه ذاتها بربطات عنق جديدة وخطابات أكثر لمعاناً. التغيير الذي ينتظره السوريون اليوم أعمق بكثير من تعديل وزاري يُسوَّق باعتباره إنجازاً سياسياً فيما تبقى معاناة الناس على حالها ويظلّ الخبز حلماً يومياً والطاقة رفاهية والدخل عاجزاً حتى عن ملامسة الحد الأدنى من متطلبات الحياة.
المطلوب شعبياً ليس استبدال وزير بآخر بل استبدال عقلية كاملة في إدارة الدولة. السوري الذي أنهكته سنوات الحرب والانهيار الاقتصادي لا يسأل عن أسماء الوزراء بقدر ما يسأل: هل سيستطيع شراء حاجاته الأساسية؟
هل ستتوقف دوامة الإذلال أمام الأفران ومحطات الوقود؟ هل سيصبح راتبه قادراً على تأمين حياة عادية لا أكثر وهل ستعود الدولة لتعامل مواطنيها بوصفهم أصحاب حقوق لا مجرد أرقام في نشرات حكومية؟
أي حكومة جديدة لا تضع هذه الأولويات في مقدمة برنامجها ستكون مجرد نسخة أخرى من حكومات سابقة أتقنت إدارة الخطاب وفشلت في إدارة حياة الناس فالقضية لم تعد سياسية بالمعنى التقليدي فقط بل أصبحت قضية بقاء اجتماعي ومعيشي وأخلاقي. لا يمكن الحديث عن مرحلة جديدة فيما يعيش السوري تحت ضغط الفقر وانعدام الخدمات والخوف من المستقبل وتآكل الكرامة الإنسانية.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في تشكيل حكومة ترضي مراكز النفوذ أو توازنات السلطة بل في بناء فريق حكومي يمتلك الكفاءة والخبرة والقدرة على العمل الجماعي. الوزارات السورية تحولت خلال سنوات طويلة إلى جزر معزولة تعمل بلا تنسيق فعلي وتتصارع أحياناً على الصلاحيات والمصالح فيما يدفع المواطن الثمن من حياته اليومية لذلك فإن أي تغيير جاد يجب أن يبدأ بإعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها: خدمة الناس لا إدارة أزماتهم فقط.
البلاد لا تحتاج إلى مزيد من الخطب الرنانة ولا إلى جيوش المطبلين الذين يحاولون تصوير أي خطوة شكلية على أنها إنقاذ تاريخي، أثبتت التجارب السابقة أن الضجيج الإعلامي لا يطعم خبزاً ولا يولّد كهرباء ولا يخلق فرص عمل. ما تحتاجه سوريا اليوم هو كوادر خبيرة تمتلك رؤية اقتصادية وإدارية حقيقية وتعرف كيف تنهض بمؤسساتها بعيداً عن منطق الولاء الأيديولوجي أو الاصطفاف السياسي الأعمى.
المرحلة الجديدة إن كانت جدية فعلاً، يجب أن تُقاس بمقدار ما تمنحه للناس من كرامة واستقرار لا بمقدار ما تنتجه من شعارات. احترام حقوق الإنسان إطلاق الحريات تعزيز الشفافية محاربة الفساد وتحقيق العدالة في توزيع الموارد ليست ملفات هامشية يمكن تأجيلها بل هي أساس أي استقرار سياسي واجتماعي حقيقي.
السوريون لا يطلبون المعجزات هم يريدون دولة تعمل ومؤسسات تتكامل وحكومة تشعر بوجع الناس قبل أن تتحدث باسمهم. يريدون مسؤولين يملكون الخبرة لا مجرد الحماسة والكفاءة لا مجرد الولاء والقدرة على الإنجاز لا القدرة على التصفيق.
لهذا فإن التغيير الوزاري المطلوب اليوم في سوريا ليس تغيير أشخاص بل تغيير نهج كامل. وما لم يحدث ذلك، ستبقى كل التعديلات مجرد تبديل ديكور فوق جدران متعبة فيما يبقى الوطن غارقاً في أزمته وينتظر شعبه حكومة تشبه آلامه وطموحاته لا حكومة تكتفي بإدارة الصورة.