في أرض النفط… راتب حكومي لا يكفي لشراء الخبز

0 20

في أحياء دير الزور والبصيرة، لا يبدأ اليوم بالأخبار السياسية أو أحاديث الإعمار، بل بسؤال واحد يتردد كل صباح: كم ربطة خبز يمكن أن نشتري اليوم؟

أمام أحد الأفران، يقف أبو أحمد “اسم مستعار” موظف حكومي من الدرجة الثالثة ويُخرج ما في جيبه من نقود. يعدّها ببطء. ثلاث ربطات خبز تكلف 13,500 ليرة سورية. يتوقف. المبلغ لا يكفي. بعد تردد قصير، يخفض صوته قائلاً: “ربطتين فقط”.

في تلك اللحظة، لم يعد الأمر يتعلق بالخبز فقط، بل بما سيتعين على عائلته الاستغناء عنه.

يقول أبو أحمد: «المياه وحدها تكلف نحو 8 آلاف ليرة يومياً. ومع الخبز والطعام البسيط، ننفق بين 40 و50 ألف ليرة يومياً. أما الإيجار والكهرباء والدواء فهذه خارج الحساب… وإلا ينهار كل شيء».

ورغم صدور المرسوم رقم 67 لعام 2026 الذي ينص على زيادة الرواتب والأجور بنسبة 50%، لم تدخل هذه الزيادة حيّز التنفيذ حتى تاريخ إعداد هذا التقرير، ولا تزال رواتب الموظفين الحكوميين تتراوح حالياً بين نحو 900  ألف ومليون ونصف المليون ليرة سورية شهرياً. وحتى مع تطبيقها، يرى كثير من السكان أن أثرها سيبقى محدوداً، نظراً للفجوة الكبيرة بين الدخل وتكاليف المعيشة.

لكن الواقع اليومي أكثر حسماً من أي مرسوم:

الراتب لا يكفي حتى منتصف الشهر.

الحساب بسيط… وقاسٍ: الخبز وحده يكلف نحو 405  آلاف ليرة شهرياً، والمياه تضيف 240 ألف ليرة، ثم تأتي تكلفة الغذاء الأساسي.

بمعنى رقمي مباشر، يحتاج الحد الأدنى والقاسي من الغذاء والمياه إلى نحو 1.2 – 1.5 مليون ليرة شهرياً، وهو ما يساوي أو يتجاوز كامل راتب الموظف.

أي أن العجز الفعلي في تغطية الاحتياجات الأساسية يتراوح بين 50% و70% من الدخل الشهري، وهي تقديرات تتقاطع مع مؤشرات تكاليف المعيشة الصادرة عن صحيفة قاسيون وتقارير المركز السوري لبحوث السياسات.

بمعنى آخر: يعيش الموظف نصف شهر فقط براتبه… والنصف الآخر بالدين، أو بالتقشف الحاد، أو بحذف وجبات كاملة.

ورغم هذه الفجوة الواضحة، لا ينهار الاقتصاد المنزلي بالكامل. فالكثير من الأسر تعتمد على شبكات دعم غير رسمية، تشمل الديون الصغيرة، والمساعدات العائلية، والتحويلات المالية من أقارب في الخارج، إضافة إلى أنشطة ضمن ما يُعرف باقتصاد الظل. هذه الموارد، رغم محدوديتها وعدم استقرارها، أصبحت عاملاً أساسياً في بقاء بعض الأسر.

لكن هذا الواقع لا ينطبق على الجميع. فهناك شريحة واسعة من العائلات لا تملك أقارب في الخارج ولا مصادر دعم إضافية، ما يجعلها أكثر عرضة للانزلاق السريع نحو الفقر الحاد، ويعمّق الفجوة الاجتماعية داخل المجتمع نفسه.

ولا تقتصر المشكلة على ضعف الرواتب، بل تمتد إلى محدودية فرص العمل أصلاً. ففي دير الزور والبصيرة، تعتمد شريحة واسعة من الأسر على مصدر دخل واحد، في ظل غياب فرص عمل بديلة وضعف النشاط الاقتصادي المحلي بعد سنوات من الحرب. هذا الواقع يجعل أي راتب – مهما كان متواضعاً – خط الدفاع الأخير أمام الانزلاق إلى الفقر.

بالنسبة لكثير من الأسر، أصبح اليوم سلسلة من القرارات الصعبة:

هل نشتري خبزاً إضافياً أم نوفر لدواء طارئ؟

هل نستخدم مياه غير صالحة للشرب أم ندفع ثمن المفلترة؟

في البصيرة، حيث الخدمات أضعف، تصبح هذه الخيارات أكثر قسوة.

المفارقة لافتة:

منطقة غنية بالنفط والغاز والأراضي الزراعية الخصبة على ضفاف الفرات، لكن موظفاً حكومياً فيها يعجز عن تأمين الخبز والمياه النظيفة.

ولا تتوقف التحديات عند حدود الدخل، بل تمتد إلى البيئة والصحة العامة. ففي ظل ارتفاع أسعار الوقود وضعف توفره، لجأ بعض السكان إلى وسائل بديلة لتكرير النفط بطرق بدائية تُعرف محلياً بـ “الحراقات”. هذه الأنشطة، التي نشأت كحل اقتصادي اضطراري، تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير السلامة البيئية.

وقد ساهمت هذه الممارسات في تلوث الهواء والمياه والتربة، ما ينعكس بشكل مباشر على صحة السكان. ويشير أهالٍ في المنطقة إلى تزايد ملحوظ في الأمراض المزمنة، بما في ذلك حالات السرطان، في ظل ضعف الخدمات الصحية وغياب الرقابة البيئية.

بالنسبة لكثير من السكان، لا تُعد هذه المسألة اقتصادية فحسب، بل ترتبط مباشرة بإمكانية تحقيق استقرار مستدام وتقليص الفجوة بين الموارد المتاحة ومستوى المعيشة.

هذه المفارقة تطرح سؤالاً أعمق عن العدالة التنموية. فالمنطقة الشرقية، التي ساهمت لعقود في إنتاج النفط والغاز والزراعة، لم ينعكس ذلك على مستوى الخدمات والدخل المحلي، وبقيت تُصنّف ضمن المناطق النامية.

ويعكس هذا الواقع ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ “لعنة الموارد” أو مفارقة وفرة الموارد، حيث لا تقود الثروات الطبيعية بالضرورة إلى تحسين مستوى المعيشة، بل قد تترافق مع ضعف التنمية المحلية واتساع الفجوة بين الموارد والسكان.

ومع عودة السيطرة على جزء كبير من الحقول النفطية، يبرز نقاش متجدد حول آليات توزيع العائدات، وإلى أي مدى يمكن أن تنعكس هذه الموارد على الموازنات المحلية وتحسين الخدمات الأساسية في المناطق المنتجة نفسها.

الأزمة هنا لا تُرى في الأرقام فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية. بالنسبة لسكان دير الزور والبصيرة، تراجعت أهمية الأسئلة السياسية الكبرى. الأولوية اليوم مسألتان أساسيتان فقط:
الأمان الشخصي، والأمان الاقتصادي – القدرة على إطعام الأسرة بكرامة.

في هذا الجزء من سوريا، لا تُقاس الأزمة بمؤشرات الاقتصاد الكلي، بل بعدد الأرغفة التي يمكن شراؤها قبل أن ينفد الراتب.

وحين لا يكفي راتب شهر كامل لتغطية أكثر من نصفه من الاحتياجات الأساسية، لا يعود السؤال «كيف يعيش الناس» بل:

إلى متى يمكن أن يستمر مجتمع بأكمله في العيش على نصف دخل… قبل أن يتحول هذا النصف إلى انهيار كامل؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني