ما الذي تحتاجه دير الزور اليوم؟

0 26

دير الزور اليوم ليست فقيرة… بل مُفقرة رغم غناها

محافظة تمتلك بعضاً من أكبر حقول النفط في سوريا، ومع ذلك يعيش أهلها في ظلام شبه دائم، ومياه غير صالحة للشرب، وفقر مدقع. في أبريل 2026، وبعد أكثر من عام على سقوط النظام السابق وسيطرة الحكومة الانتقالية على معظم المحافظة، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً على ألسنة أهلها: ما الذي تحتاجه دير الزور اليوم؟

الإجابة ليست معقدة، لكنها قاسية: أمن مستقر يحمي الحياة اليومية، خدمات أساسية موثوقة، ومعيشة كريمة تستفيد من ثرواتها النفطية والزراعية والحيوانية بدلاً من أن تكون عبئاً عليها.

“دير الزور اليوم في مرحلة انتقالية هشة. المدينة والريف يعانيان دماراً هائلاً (75-80% في بعض الأحياء)، وعودة آلاف العائلات تضغط على بنية تحتية متهالكة. رغم جهود محدودة مثل حملة «ربيع دير الزور» وتدشين بعض محطات المياه ورؤية «دير الزور 2040»، يسيطر شعور التهميش على شريحة واسعة من المجتمع – بما فيها أصحاب الكفاءات – والترقيع على حساب التخطيط الاستراتيجي الشفاف.”

الجانب الأمني: استقرار نسبي يواجه تهديداً مستمراً

بعد انتشار قوى الأمن الداخلي والجيش في المناطق المستعادة، لم يتحسن الشعور بالأمان في المدينة والطرق الرئيسية، رغم عمليات نوعية أسفرت عن اعتقال خلايا نائمة وإحباط بعض المخططات.

لكن التهديد لا يزال قائماً:

  • هجمات شبه يومية في الريف الشرقي تستهدف قوات أمنية وحراس منشآت نفطية ومدنيين، وأسفرت عن قتلى وجرحى في مارس وأبريل 2026.
  • مخلفات الحرب تسبب إصابات يومية، خاصة بين الأطفال والمزارعين.

الأمن ليس مجرد انتشار نقاط تفتيش، بل يتطلب استراتيجية شاملة: إزالة سريعة للألغام، دمج أمني محلي يعتمد على الكفاءة لا على الانتماءات القبلية، ومنع استغلال الفقر والبطالة. بدون أمن حقيقي، تبقى كل الجهود الخدمية والمعيشية عرضة للانهيار.

الجانب الخدمي: تحسن بطيء وغير كافٍ أمام احتياجات هائلة

الخدمات الأساسية لا تزال في حالة «ترقيع» رغم بعض المشاريع المدعومة دولياً:

  • الكهرباء: انقطاعات متكررة وتقنين قاسٍ. في كثير من الأيام لا تتجاوز ساعات التغذية ساعة أو ساعتين مقابل 22-23 ساعة قطع. عادت الكهرباء إلى بعض الأحياء بعد سنوات، لكن جهود إقلاع محطات «التيم» والطاقة الشمسية لا تكفي. والكهرباء غير المستقرة تعيق محطات المياه والمستشفيات والري.
  • المياه والصرف الصحي: تم تدشين عدة محطات، لكن كثيراً من القرى تعاني أزمة مياه عمرها عقود، والمياه غير المعالجة (عكارة عالية) تهدد الصحة حتى في مركز المحافظة.
  • الصحة: مستشفيات مدمرة أو ناقصة التجهيز، نقص أدوية وكوادر. إصابات الألغام تحتاج تأهيلاً، والأمراض المائية منتشرة. المرضى يضطرون للسفر إلى دمشق للعلاج المتخصص.
  • التعليم والبنية التحتية: مدارس متضررة، طرق مهترئة وبنى تحتية متهالكة.

السكان يشكون: «النفط على بعد مئات الأمتار، ونعيش بدون كهرباء أو مياه نظيفة، ونستخدم وسائل بدائية للطبخ والتدفئة».

الجانب المعيشي: فقر وبطالة رغم الثروة النفطية

رغم احتواء المحافظة على معظم البنية النفطية، يعيش السكان في فقر مدقع (الأزمة – المرحلة 3 من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي) ضمن واقع وطني يقول إن أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. البيوت الطينية منتشرة في قرى قريبة من الحقول بدون خدمات أساسية، وسط غلاء معيشي وبطالة عالية. التلوث الناتج عن الاستخراج غير المنظم يفاقم المشكلات الصحية والبيئية.

العائدون يواجهون أزمة سكن حادة وإيجارات مرتفعة. التهميش التاريخي مستمر: «آبار النفط بجانبنا ونحن نعاني».

الاحتياج الحقيقي: تخطيط مدني تقني شفاف وإنهاء لعنة الموارد

المشكلة لم تعد نقص المشاريع، بل غياب عدالة في إدارة الموارد. دير الزور لا تحتاج إلى وعود إعلامية أو مشاريع جزئية، بل إلى عقل مدني تقني يدير التخطيط بعيداً عن المصالح الخاصة والفئوية الضيقة. فمثلما صنع الأمريكيون سيارات عريضة لأن لديهم طرقاً عريضة مخططة مسبقاً، تحتاج المدن السورية – ودير الزور نموذجاً – إلى مخططين حضريين ومهندسين متخصصين يعتمدون على مسوحات ميدانية حقيقية.

من يقرر اليوم أين تذهب عائدات دير الزور؟ وعلى أي أساس؟ هذا السؤال السياسي المحرج يكشف الخلل المركزي: فشل الحوكمة في إدارة الموارد، وهو ما تُعرف أدبيات البنك الدولي بـ«لعنة الموارد» — حيث يتحول الغنى النفطي إلى عبء بدلاً من نعمة بسبب غياب الشفافية والمشاركة المحلية. وكما تشير تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فإن الاستقرار طويل الأمد في مرحلة التعافي لا يتحقق دون عدالة في توزيع الموارد وتعزيز الشفافية.

وفي هذا السياق، يجب أن تُمنح لجان الأحياء واللجان المجتمعية دوراً حقيقياً كشريك أساسي في عملية التخطيط، لأنها الأقرب إلى هموم السكان. فبدون تمكينها وإشراكها في مسح الاحتياجات ومتابعة التنفيذ، ستبقى الخطط المركزية بعيدة عن الواقع.

هذا يعني:

  • فصل التنفيذ الفني عن السياسة، مع شفافية كاملة في تخصيص عائدات النفط للمحافظة.
  • ربط الإعمار القصير الأجل برؤية طويلة الأجل (دير الزور 2040) تشمل استدامة ومشاركة أهلية وفرص عمل.
  • جذب كفاءات تقنية محلية ودولية، مع التركيز على الكفاءة العلمية والإدارية لا على التوازنات القبلية الضيقة.

بدون هذا التخطيط، تبقى الجهود مبعثرة، والإحباط يتفاقم.

الفرصة أمام التحدي

دير الزور لا تحتاج اليوم إلى وعود جديدة، بقدر ما تحتاج إلى أمن يحمي، وخدمات تحفظ الكرامة، ومعيشة تستفيد من ثروتها بدلاً من أن تُفقرها. الفرصة ما زالت موجودة: ثروات طبيعية هائلة، وعودة آلاف النازحين، ودعم دولي محتمل. لكن التحدي الحقيقي يكمن في غياب التخطيط الواضح والشفاف الذي يضع الإنسان أولاً.

أي تأخير في معالجة هذا الخلل لن يبقي الأزمة خدمية أو معيشية فقط، بل سيحولها إلى أزمة استقرار وثقة طويلة الأمد. إذا استمرت الجهود ترقيعية ارتجالية تبحث عن الشعبوية والتوازنات الفصائلية والقبلية، فإن دير الزور ستظل «منسية» رغم غناها.

الوقت ليس للوعود الكبيرة، بل لخطط دقيقة يلمسها المواطن يومياً، بأيدٍ تقنية مخلصة وشفافة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني