
التعليم يحسم العودة.. لماذا يتلاشى حلم الرجوع لدى لاجئين سوريين في تركيا؟
مقدمة
تبدو مشكلة عيش كثير من الأسر السورية في تركيا كلاجئين منذ سنوات مشكلة ليست بتلك السهولة التي يتخذ فيها قرار الانتقال من بلد اللجوء إلى الوطن سوريا.
فقرار عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى سوريا يرتبط بعوامل عديدة منها الأمان والظروف الاقتصادية ونقصد توفر فرص العمل والدخل الأسري المقبول للعيش.
قرار العودة على علاقة بقضية أخرى أكثر حساسية، تقف أمام خيارات آلاف الأسر السورية، ونقصد ما يتعلّق بمستقبل أبنائهم التعليمي.
بالنسبة لكثير من هذه الأسر تبدو الإجابة واضحة: فالعودة تعني خسارة سنوات دراسية كاملة لأبنائهم.
كما أن “الحق في التعليم هو حق أساسي من حقوق الإنسان، تكفله المواثيق الدولية، ويشمل تعليماً ابتدائياً إلزامياً ومجانياً، مع إتاحة التعليم الثانوي والعالي للجميع دون تمييز. يهدف التعليم إلى التنمية الكاملة لشخصية الإنسان، وتعزيز احترام حقوق الإنسان، وتوفير فرص التعلم مدى الحياة لتمكين الأفراد والمجتمعات”.
أعلن وزير التربية التركي يوسف تكين أن: عدد الطلاب السوريين في تركيا بلغ نحو 900 ألف طالب حتى نهاية 2025.
اختلاف المناهج ولغة الدراسة
عدد الطلاب السوريين في المدارس التركية يقدّر بمئات الآلاف، وهم موزعون على مختلف المراحل التعليمية. هؤلاء الأطفال تلقوا تعليماً دراسياً مختلفاً كلياً على صعيدي اللغة والمناهج وأساليب التدريس.
يقول السيد خالد.م مدرس سابق في المدارس السورية في تركيا: “اللغة التركية أصبحت بالنسبة لكثير منهم لغة التعليم الأساسية، بينما تراجعت قدرتهم على متابعة الدراسة بالعربية الفصحى وفق المناهج السورية. هذا التحوّل خلق فجوة كبيرة جعلت الانتقال المفاجئ إلى النظام التعليمي السوري أمراً بالغ الصعوبة.

فالطالب الذي يدرس الرياضيات والعلوم باللغة التركية قد يجد نفسه غير قادر على متابعة الدروس نفسها باللغة العربية في سوريا، ليس بسبب ضعف في قدراته، بل بسبب اختلاف المحتوى الدراسي بين بلد اللجوء والوطن على مستويي المصطلحات والمناهج”.
معادلة الشهادات… عقدة غير محسومة
لا تزال معادلة الشهادات الدراسية في سوريا مشكلة تحتاج إلى معالجة. فحتى الآن لا توجد آلية واضحة ومستقرة للاعتراف الكامل بالشهادات التي يحصل عليها الطلاب السوريون في المدارس التركية.
هذا يعني أن الطالب الذي أنهى مرحلة دراسية في تركيا قد يُطلب منه عند العودة إلى سوريا إعادة سنة أو أكثر من الدراسة، أو الخضوع لاختبارات إضافية، أو حتى الانتقال إلى مرحلة أدنى من مستواه الدراسي.
بالنسبة للأهالي، يمثل هذا الاحتمال مصدر قلق كبير، لأن خسارة سنة دراسية قد تتحول بسهولة إلى خسارة دافع التعليم بالكامل لدى بعض الطلاب.
اللغة… عقبة أمام متابعة الدراسة
الطفل السوري الذي التحق كتلميذ بالمدارس الابتدائية التركية وأمضى سنوات على مقاعد الدرس فيها، بات من الطبيعي أن تكون لغته التركية وسيلةً لفهمه الدراسي وطريقةً لتفكيره العلمي. لقد أصبح التلاميذ السوريون الذين يتعلمون في المدارس التركية يفكرون ويكتبون باللغة التركية بشكل أساسي.
بالنسبة لهؤلاء، العودة إلى التعليم بالعربية تعني البدء من جديد تقريباً.
يقول السيد خالد.م: “إن بعض الطلاب “يستطيعون التحدث بالعربية بطلاقة في الحياة اليومية، لكنهم يواجهون صعوبة كبيرة عندما يتعلق الأمر بالمصطلحات العلمية أو الأكاديمية”.
وهذا التحدي قد يدفع بعض الطلاب إلى التسرّب من التعليم إذا لم تتوفر برامج انتقالية تساعدهم على التكيف.
قرار الأسر السورية: مستقبل الأبناء الدراسي أولاً
تفكّر الأسر السورية التي تعيش في تركيا ويدرس أبناؤها في المدارس التركية بما يخدم مستقبل هؤلاء الأبناء دراسياً، ففي تركيا، تدور نقاشات ذات أهمية وصعوبة في آن واحد حول العودة إلى الوطن. ورغم أن بعض هذه العائلات ترغب فعلياً بالرجوع إلى بلدها، لكنها تتردد عندما تفكّر بمستقبل أبنائها.
فالأب الذي أمضى سنوات في بناء استقرار تعليمي لأطفاله، يخشى أن يؤدي الانتقال المفاجئ إلى تدمير هذا المسار.
تقول إحدى الأمهات إن أطفالها “اعتادوا المدرسة هنا، ولديهم أصدقاء ويتحدثون التركية. إذا عدنا الآن قد يخسرون سنوات من تعليمهم”.
هذه المخاوف تجعل التعليم عاملاً أساسياً في قرار البقاء، حتى بالنسبة إلى العائلات التي تعاني ظروفاً اقتصادية صعبة في تركيا.
جيل كامل أمام نظامين تعليميين مختلفين
التقت نينار برس السيد حسن البري نقيب المعلمين السوريين في أورفا وقال «إن الفجوة بين المناهج السورية والتركية كبيرة، المناهج السورية أصعب بكثير، الطالب السوري اللاجئ اعتاد على المناهج التركية وهناك فرق كبير بين المنهاجين».
ويتابع: «إضافة إلى أن الكثير من الطلاب دخلوا الحياة الجامعية في تركيا ويرغبون في إتمام دراستهم فيها، كون الدراسة في تركيا أسهل نسبياً من الدراسة في سورية».
المطلوب ردم الفجوة التعليمية
يقول السيد حسن: «حل الفجوة الخطيرة بين المناهج السورية والتركية يحتاج إلى وجود تنسيق رسمي بين النظامين التعليميين في البلدين (سوريا وتركيا)، وقد يجد هؤلاء التلاميذ أنفسهم عالقين بين مسارين دراسيين غير متوافقين.
نتمنى أن تكون هناك جهات معنية تعمل على ردم هذه الفجوة وتقليص المسافة بين المنهاجين لمساعدة الطلاب، ومع مرور الوقت، قد تتحول هذه الفجوة إلى مشكلة اجتماعية أكبر، إذا أدى فقدان الاستقرار التعليمي إلى زيادة التسرب من المدارس».
ويتابع: «تحتاج عملية ردم الفجوة بين نظامي التعليم السوري والتركي إلى وضع دراسة ملموسة تستند على عناصر واقع هذه القضية، ومعالجة هذه المشكلة تتطلب خطوات واضحة، أهمها:
- إقرار خطوات وآليات رسمية وشفافة لمعادلة الشهادات بين النظامين التعليميين السوري والتركي.
- وضع برامج انتقالية وتطويرها بما يساعد الطلبة العائدين على التكيف مع المناهج الدراسية السورية.
- العمل على توفير دورات لغوية وأكاديمية تعالج الفجوة بين المصطلحات والمقررات الدراسية.
من جهة أخرى، يمكن للمنظمات الدولية أن تلعب دوراً مهماً في دعم هذه البرامج، خاصة في المناطق التي قد تستقبل عودة أعداد كبيرة من الطلاب».
تعليم الطلاب جوهر قرار العودة
غالباً ما تُناقش قضية عودة اللاجئين في إطار سياسي أو أمني، لكن من المهم أيضاً مناقشتها في مستويات أخرى أهمها مصالح الطلاب ومستقبلهم الدراسي، لكن تجربة السنوات الماضية تظهر أن القرار الحقيقي يُتخذ داخل العائلة، حيث يضع الأهل مستقبل أبنائهم في المقام الأول.
بالنسبة لكثير من الأسر السورية في تركيا، لم يعد السؤال فقط: هل يمكن العودة؟
بل أصبح السؤال الأهم: هل يستطيع أبناؤنا مواصلة تعليمهم إذا عدنا؟
أيضاً التقت نينار برس السيدة كندة حواصلي مديرة الوحدة المجتمعية في مركز الحوار السوري التي قالت حول مشكلة الطلاب السوريين في تركيا: «بالنسبة للطلاب في المرحلة الابتدائية تكون متابعتهم للدراسة في سورية رغم تغيير المناهج أسهل نسبياً، لكن المشكلة عند طلاب المراحل المتقدمة والجامعية، سيكون صعباً عليهم في هذه المرحلة أن ينتقلوا إلى نظام تعليمي مختلف باللغة وطريقة الدراسة».
وتضيف: «الشروط التي أعلنت عنها وزارة التعليم في سورية حول موضوع نقل الطلاب الجامعيين لا تنطبق على كثير من الطلاب، وأعتقد أنها كانت مجحفة قليلاً بحقهم».
وتتابع: «مثلاً تم تحديد معدل 80% في الثانوية العامة كشرط نقل لبعض الفروع، علماً أن الطالب في تركيا يدخل الجامعة بعد اجتيازه امتحان مخصص لذلك (يوس)، بعض الطلاب حصول على معدل 80-90% في امتحان الـ (يوس) بينما معدلاتهم في الثانوية منخفضة نسبياً ولا تتطابق مع شروط وزارة التعليم العالي السورية».
وفي ظل غياب إجابة واضحة، قد يتحول التعليم نفسه إلى أحد الأسباب التي تجعل اللجوء حالة طويلة الأمد، وربما دائمة.
«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR”»