
دخل بلا حرية: هل تملك المرأة السورية قرارها المالي؟
رغم دخول عدد متزايد من النساء السوريات إلى سوق العمل خلال سنوات اللجوء، إلا أن امتلاك الدخل لا يعني دائماً امتلاك القرار.
نينار برس التقت نساء عاملات في تركيا ليتحدثن عن تجاربهن في العمل.
شهد لاجئة سورية تعمل في مشغل خياطة في مدينة غازي عنتاب التركية، فإن العمل لم يمنحها الاستقلال الذي كانت تتوقعه.
تقول شهد:
أعمل لساعات طويلة يومياً، لكن عندما أعود إلى المنزل يجب أن أسلّم الراتب لزوجي. هو من يقرر كيف يُصرف المال.
تضيف: حتى عندما أريد شراء شيء بسيط لنفسي أو لأولادي، يجب أن أطلب الإذن أولاً.
قصة شهد ليست حالة فردية، بل تعكس نمطاً من السيطرة المالية داخل بعض الأسر، يُعرف في أدبيات حقوق الإنسان باسم العنف الاقتصادي، وهو أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي.

ويرتبط هذا النوع من الممارسات بعدة مبادئ أساسية في حقوق الإنسان، أبرزها الحق في العمل والاستقلال الاقتصادي.
فقد نصت المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن لكل شخص الحق في العمل واختيار عمله بحرية وفي شروط عمل عادلة دون تمييز.
كما تؤكد المادة 17 من الإعلان نفسه على حق كل شخص في التملك وعدم حرمانه من ممتلكاته تعسفاً، وهو ما يشمل أيضاً الحق في التصرف بالدخل والموارد المالية.
العمل دون قرار
قصة إسلام، لاجئة سورية تعمل في أحد المطابخ الإنتاجية في مدينة إسطنبول، لا تختلف كثيراً عن قصة شهد.
تقول إسلام إنها بدأت العمل قبل ثلاث سنوات لمساعدة أسرتها بعد تراجع دخل زوجها، لكنها اكتشفت لاحقاً أن عملها لا يعني بالضرورة امتلاكها حرية التصرف براتبها.
توضح إسلام: أعمل كل يوم تقريباً، لكن في النهاية أسلّم راتبي لزوجي لأنه يعتبر نفسه المسؤول عن إدارة مصاريف البيت.
وتضيف: أحياناً أحتاج إلى المال لشراء شيء شخصي، فأضطر لطلبه منه.
بالنسبة لإسلام، لم يكن العمل بحد ذاته كافياً لتحقيق الاستقلال الذي كانت تأمله.
عندما يصبح الدخل تحت السيطرة
التقت نينار برس المستشارة الأسرية رنا ديواني التي بيّنت أن كثيراً من النساء اللواتي بدأن العمل بعد اللجوء ما زلن يواجهن قيوداً على كيفية التصرف بدخلهن.
تقول ديواني: بعض النساء يعملن، لكن لا يُسمح لهن بإدارة المال. قد يُطلب منهن تسليم الراتب كاملاً، أو يتم التدقيق في كل مصروف.
وتضيف: في بعض الحالات يؤدي ذلك إلى شعور المرأة بأنها تعمل دون أن تمتلك أي استقلال فعلي.
وتشير إلى أن هذا النوع من الممارسات يدخل ضمن أنماط العنف الاقتصادي التي قد لا تكون مرئية مثل العنف الجسدي، لكنها تؤثر بشكل مباشر على كرامة المرأة واستقلالها.
أرقام تعكس الواقع
تشير بيانات صادرة عن UN Women إلى أن مشاركة النساء السوريات في سوق العمل ارتفعت في بعض سياقات اللجوء نتيجة الظروف الاقتصادية الصعبة.
في الوقت نفسه، تظهر تقارير عن العنف القائم على النوع الاجتماعي أن السيطرة على الموارد المالية تُعد أحد أشكال العنف الاقتصادي الذي قد تواجهه النساء.
كما تشير دراسات صادرة عن International Labour Organization إلى أن كثيراً من النساء العاملات في سياقات اللجوء يعملن في قطاعات منخفضة الأجر وغير مستقرة، ما يزيد من هشاشة وضعهن الاقتصادي.
بين العمل والحق في القرار
كما التقت نينار برس الخبيرة القانونية ميسون محمد، وترى أن القانون المدني التركي يمنح المرأة حق التصرف بدخلها بشكل مستقل، إذ يتمتع كل من الزوجين بذمة مالية منفصلة، ما يعني أن راتب المرأة يُعد مالاً خاصاً بها ولها الحق في إدارته.
وتقول محمد إن المسؤولية المشتركة بين الزوجين في تأمين احتياجات الأسرة لا تعني أن يفقد أي طرف حقه في إدارة دخله أو التصرف به.
وتضيف أن إجبار المرأة على تسليم راتبها أو منعها من التصرف بدخلها قد يندرج ضمن ما يُعرف بالعنف الاقتصادي، وهو أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي
ويرتبط هذا الأمر بعدة مبادئ أساسية في حقوق الإنسان، منها:
الحق في العمل، الحق في المساواة وعدم التمييز والحق في الملكية والتصرف بالممتلكات الشخصية.
تأثيرات نفسية واجتماعية
وفي تصريح لنينار برس من الباحثة في قضايا النوع الاجتماعي الدكتورة رغد العبو تشير إلى أن السيطرة المالية قد تترك آثاراً طويلة المدى على النساء.
تقول العبو: عندما تعمل المرأة لكنها لا تملك القرار المالي، يتولد شعور بفقدان السيطرة على حياتها.
وتضيف: التمكين الاقتصادي الحقيقي لا يتحقق فقط عبر العمل، بل عبر القدرة على اتخاذ القرار المرتبط بالدخل.
أصوات من المجتمع المدني
ومن ممثلي المجتمع المدني التقت نينار برس السيدة نور العاملة في منظمة نسوية تدعم النساء السوريات في تركيا، أن كثيراً من البرامج بدأت تركز على مفهوم الاستقلال المالي وليس فقط توفير فرص العمل.
تقول: نحاول العمل مع النساء لزيادة الوعي بحقوقهن الاقتصادية، بما في ذلك حقهن في إدارة دخلهن.
وتضيف: العمل خطوة مهمة، لكن الأهم أن تمتلك المرأة القدرة على اتخاذ القرار المرتبط بهذا العمل.
بين الدخل والحرية
تجربة شهد تعكس سؤالاً أوسع يواجه كثيراً من النساء: هل يكفي العمل لتحقيق الاستقلال؟
تقول شهد في نهاية حديثها: أنا فخورة بأنني أعمل، لكنني أتمنى أن أشعر يوماً أن هذا المال هو أيضاً قراري.
وبينما تزداد مشاركة النساء السوريات في سوق العمل، يبقى التحدي الحقيقي في ضمان أن يقترن هذا العمل بحرية القرار والاستقلال الاقتصادي.
«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR“»