تنطوي الحياة على مصادفات لا حصر لها، وأنت أيها الإنسان لا تملك أرادة منع حدوث المصادفات المتعلقة بك أو بغيرك.
فقبل ثلاثة عشر عاماً غادرت دمشق إلى دولة الإمارات بعد أن تسببت لي مقالاتي في صحيفة السفير دفاعاً عن الربيع العربي وبخاصة الربيع السوري شعوراً بالخطر.
وتشاء المصادفة أن ألتقي بالصديق الدكتور سمير التقي الذي أسس لتوه مركز الشرق للبحوث الإستراتيجية، والذي رحب بأن أكون أحد الباحثين فيه إلى جانب عدد من الباحثين الذين أعرف بعضهم ولا أعرف بعضهم الآخر.
ولم يمض وقت طويل حتى ضم المركز عدداً كبيراً من الباحثين المتخصصين بالملفات العربية والعالمية. أذكر على سبيل المثال: عبدالله تركماني، عارف دليلة، محمد صبرة، تيسير إدريس فضلاً عن عدد لا بأس به من الباحثين والباحثات.
وسُميت أنا (بالمدير الأكاديمي)، وسمير التقي (المدير العام)
وشاءت المصادفة أن أتعرف على شخص يعرفني ولا أعرفه. ويبدو بأنه كان في مرحلة افتتاح المركز، حيث عدد العاملين به قليل، ذا شأن بوصفه مشرفاً على أحد الملفات.
لكن الباحثة الذكية، التي تحضر الماستر والدكتوراه في لندن والتي كلف بالإشراف على أبحاثها كانت تشكو من غبائه وضعف تكوينه المعرفي.
لم يمض وقت طويل حتى قرر الدكتور سمير صرفه من المركز لسببين: الأول غياب الثقة بقدراته وأخلاقه والثاني: مرتبط بمصادفة كشفته حين طلب المسؤولون من العاملين في المركز شهاداتهم العلمية والتزم الجميع بتلبية هذا المطلب إلا هو.
فتبين لنا بعد سؤالي لابن عم زوجته النبيلة الذي يعمل في الصحافة منذ مدة طويلة عن سبب تأخير إحضار شهادته الجامعية التي ادعى بأنه حصل عليها من قسم الصحافة، بأن الباحث الكبير لم يكن في يوم من الأيام في قسم الصحافة، بل الحقيقة بأنه خريج المعهد الطبي المتوسط باختصاص العلاج الطبيعي، ومدة الدراسة فيه سنتان. وإنه جرى تزوير سيرة ذاتية له لمساعدته في إيجاد عمل له في الصحافة.
وبالمناسبة يمكن للإنسان أن يعمل بعالم الصحافة دون أن يكون خريج كلية الصحافة ومعهدها.
وقد كُلف الروائي والمؤرخ السوري الفلسطيني النبيل تيسير خلف بإبلاغه قرار مدير المركز بصرفه من الخدمة.
ماذا كان رد فعله؟ قال لتيسير إن سبب صرفي من الخدمة هو البرقاوي الذي همشني منذ اللحظة التي جاء بها إلى المركز.
ربما يكون في كلامه حظ من الحقيقة، ولكن لم أقصد تهميشه أبداً، هو هامشي بالأصل ومتطفل على مهنة البحث العلمي، فجميع العاملين في المركز خريجو جامعات في علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم الاقتصاد وعلم الحقوق والفلسفة، وكنت أشفق عليه كثيراً ولا أكن له أي نوع من أنواع الكره. فالمشفوق عليه مسكين لا يُكره من جهة، والأعلون لا يكرهون الأدنين.
بالمناسبة إن تدريس مقرر مناهج البحث في العلوم الإنسانية في قسم الفلسفة يأخذ من الوقت أربع ساعات أسبوعياً، فضلاً عن إن طلاب الدراسات العليا يتلقون في قسم الفلسفة مقرر إبستمولوجيا العلوم الاجتماعية. ويمكن لأي شخص أوتي قليلاً من حب المعرفة وهاجسها أن يتعلم بمفرده هذه المباحث.
وقد تسألون من هو ذا الذي أتحدث عنه؟ اعذروني فإن قلمي يأنف أن يلوثه ذكر التحوت، وليس لديه صفة التواضع التي قد ينتج عن ذكر ها حظ من الشهرة لها أو لأحد أفرادها.
لكن حسبي أن أقول إنه وأشباهه صاروا ظاهرة.