مرسوم الأكراد 2026: ثقل بالدلالات واختبار لمستقبل العلاقة مع الدولة

0

يمثّل المرسوم رقم (13) لعام 2026، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع لصالح الأكراد، محطة سياسية لافتة في تاريخ العلاقة المعقّدة بين الدولة السورية والمكوّن الكردي. فبعد عقود طويلة من الإنكار والتهميش، يأتي هذا المرسوم ليؤسّس لأول اعتراف رسمي واضح بالأكراد بوصفهم جزءاً أصيلاً من الشعب السوري، مع الإقرار بحقوقهم الثقافية واللغوية والمدنية ضمن إطار الدولة الواحدة.

وما يميز هذا المرسوم أنه لا يكتفي بإعلان مبادئ عامة، بل يتضمّن إجراءات ذات طابع رمزي وقانوني عميق. في مقدّمتها الاعتراف باللغة الكردية لغةً وطنية يُسمح بتدريسها في المناطق ذات الغالبية الكردية، وإلغاء ما تبقّى من آثار إحصاء عام 1962 الذي شكّل أحد أكثر فصول التمييز قسوة بحق الأكراد، إضافة إلى منح الجنسية السورية لجميع الأكراد المحرومين منها، وإعلان عيد نوروز عطلة وطنية رسمية، في سابقة لم تعرفها الدولة السورية منذ تأسيسها.

تكمن دلالة هذا التحوّل ليس فقط في نصوص المرسوم، بل في السياق السياسي الذي صدر فيه. فهو يأتي في مرحلة ما بعد حرب طويلة أعادت تشكيل موازين القوى داخل سوريا، وفي ظل واقع ميداني ما زال يشهد وجود إدارة كردية شبه مستقلة في الشمال والشرق تقودها قوات سوريا الديمقراطية. ومن هنا، تأتي أهمية إصدار هذا المرسوم كجزء من محاولة دمشق استعادة زمام المبادرة السياسية تجاه الملف الكردي، عبر فصل مسألة الحقوق والهوية عن البنية العسكرية والسياسية التي تشكّلت خارج سيطرتها، حيث يوجّه المرسوم رسائل عدّة أولها إلى المواطنين السوريين الأكراد، ومفادها أن الدولة السورية الوليدة جاءت لتصحيح مظالم تاريخية راكمها النظام البعثي الشوفيني، والاعتراف بحقوقهم بوصفهم مواطنين متساوين. أما الرسالة الثانية، فتتوجّه إلى القوى الكردية المسلحة، وتؤكد أن شرعيتها التمثيلية لم تعد حصرية في تمثيل المواطنين الأكراد، في ظل عودة الدولة إلى مخاطبتهم مباشرة على أساس المواطنة.

قد يُؤخذ على المرسوم أنه لم يتطرّق إلى قضايا سياسية كبرى، مثل اللامركزية أو الفيدرالية أو أشكال الحكم المستقبلي في سوريا، كما أنه لا يقدّم تصوراً واضحاً لمشاركة كردية فعلية في مراكز القرار التنفيذي أو الأمني. غير أن الرد على هذا النقد يكمن في طبيعة المرسوم ذاته، إذ جاء ليعالج البعد الهويّاتي والمدني للقضية الكردية، بينما تُرك البعد السياسي التفصيلي للبرلمان المقبل وللحوار الوطني الجامع، الذي يمكنه أن ينعقد الآن تحت سقف الوطن والمواطنة، ويخرج بتوصيات أكثر شمولاً واستمرارية. لكن مما لا شك فيه فإن المرسوم الجديد يشكّل اعترافاً طال انتظاره، وفتحاً قانونياً يمكن البناء عليه للمطالبة بحقوق إضافية، ولا سيما في مجالات التعليم والإدارة المحلية، بما قد يفضي لاحقاً إلى مستويات جديدة من الشراكة السياسية الحقيقية.

في مقارنة سريعة لهذا المرسوم مع مواقف الدولة السورية السابقة تجاه الأكراد، تتجلى بوضوح قطيعته الرمزية معها. فمنذ الاستقلال، تعاملت الدولة مع المسألة الكردية بمنطق الإنكار أو المقاربة الأمنية، بدءاً من سياسات التعريب، مروراً بإحصاء 1962، وصولاً إلى حظر اللغة والاحتفالات القومية. حتى الخطوات المحدودة التي اتُّخذت في العقد الأول من حكم بشار الأسد، مثل منح الجنسية لجزء من المجرّدين منها عام 2011، جاءت متأخرة ومجزّأة، ولم تترافق مع أي اعتراف ثقافي أو لغوي. ليبدو مرسوم الرئيس أحمد الشرع وكأنه انتقال من سياسة “إدارة الإنكار” إلى سياسة “إدارة الاعتراف”، حتى ولو كان اعترافاً مضبوط السقف ومحكوماً بهاجس وحدة الدولة وسيادتها على كامل أراضيها.

بالتأكيد، لا يمكن اعتبار هذا المرسوم حلّاً نهائياً للقضية الكردية في سوريا، لكنه يمثّل تحوّلاً لافتاً في لغة الدولة ومنهجها، ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة بين الدولة والأكراد على أساس المواطنة المتساوية والاعتراف بالتعدّد. وسيعتمد نجاح هذه المحاولة على ما إذا كان هذا الاعتراف سيبقى في حدود النص والرمز، أم سيتحوّل إلى مسار تراكمي يفتح الباب أمام مشاركة سياسية وإدارية أوسع. بين هذين الخيارين، يقف المرسوم اليوم كنصّ ثقيل بالدلالات، ولحظة اختبار غير مسبوقة في العلاقة بين الدولة المركزية والأكراد، وقد يشكّل إحدى علامات التحوّل في تاريخ سوريا المقبل.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني