
المخيمات السورية ليست أرقام ولا “ترند” شتوي..
ارتبطت عودة فصل الشتاء لدى سكان المخيمات في الشمال السوري ولعدة سنوات ماضية بالقلق والخوف والعَوز ومحاولة تفادي الضرر الناتج عن مظاهر فصل الشتاء من أمطار وثلوج وبرد شديد.
كما اعتاد سكان المخيمات على تصدرهم المشهد الإنساني خلال فصل الشتاء فتبدأ “الحملات الإعلامية والخطابات وحملات التبرعات” ويبدأ الاجتهاد بتصوير معاناتهم والتسويق لقضيتهم.
كان هذا المشهد هو الحالة المتكررة خلال السنوات الماضية من عهد المخلوع بشار الأسد.
لكن هذا المشهد أصبح غير مبرر وشكل خيبة أمل لجميع السوريين بعد أكثر من سنة على سقوط نظام الأسد.
وفي وقت شهدت فيه سوريا منخفض جوي شديد البرودة وعلى مستويات مختلفة وهطولات ثلجية على مساحات واسعة من البلاد بما فيها المخيمات؛ ومع بداية المنخفض بدأت قصة المخيمات تتصدر “الترند” وعادت حملات التبرع والصور والمعاناة لتظهر على بعض وسائل الإعلام وصفحات السوشال ميديا.
وهذا الروتين السنوي الذي يأتينا بداية كل موجة صقيع أو منخفض جوي أصبح روتيناً مستهلكاً وممنهجاً فأهل المخيمات ليسوا “بازار” إنساني ولا قضية للاستهلاك الإعلامي والإنساني كل شتاء.
فصل الشتاء ليس حدث غير متوقع أو غير مؤكد لنتجاهل العمل على تفادي عواقبه؛ فلو أردنا تجنب تداعياته على أهلنا وأطفالنا في المخيمات فلا بد أن نبدأ منذ الصيف أو حتى من الربيع سواء بجهد حكومي أو دعم دولي أو حملة تبرعات أو ترند المؤثرين.
وبالعودة إلى المخيمات التي استقبلت عامها الخامس عشر منذ أيام؛ فحسب بيانات الأمم المتحدة يقيم فيها أكثر من مليون نازح موزعين على أكثر من 1700 مخيم معظمها في شمال سوريا؛ هذه المخيمات التي صَدّرت للثورة خيرة شبابها؛ وأهلها هم من تركوا أرضهم وديارهم حتى لا يعيشوا تحت حكم الأسد لا زالوا بعد أكثر من سنة على التحرير قضية سياسية ودولية وإعلامية ومادة دسمة للشاشات ومنظمي “التبرعات” ومتسلقي القضايا الإنسانية الطارئة.
على مدى السنوات الماضية نُفذت العديد من المبادرات الأهلية والدولية ونظمت حملات مكثفة، هدفها طي صفحة المخيمات أو حصرها قدر المستطاع والحديث هنا عن سنوات ما قبل سقوط الأسد؛ وأُنشأت مجمعات سكنية داخل ما كان يعرف بـ “المحرر” ومدن صغيرة وبيوت متنقلة؛ وأُعلن عن مشاريع واستثمارات وهياكل هندسية وخطط مستقبلية وأهداف قادمة؛ واسْتَثمر في هذا المجال كما يحدث دائماً المؤثرون ومشاهير السوشال ميديا وشخصيات عامة وأدلوا بدلوهم وتفاخروا بعدد المشاهدات لموادهم ومبادراتهم وبعضهم تسلم مناصب وأسس جمعيات خيرية.
ولسنا بصدد دعم أو نسف أي عمل في هذه القضية لكن لتوضيح الصورة أكثر لابدّ من توضيح أن كل ما سبق يجب أن يسير بالتوازي مع تفاعل دولي حقيقي مع قضية المخيمات وطي صفحتها نهائياً وهذا التفاعل هو ما لم يحدث حتى الآن.
وبعد سقوط الأسد والإعلان عن بداية حقبة جديدة سعت الحكومة إلى تفكيك الكثير من القضايا الداخلية والخارجية المستعصية ومنها موضوع المخيمات لكن الزخم توجه إلى مواضيع أخرى وبشكل ملموس وهذا ما أخَّر قضية المخيمات لعام آخر وربما أكثر.
ويرتبط ملف المخيمات ارتباطاً مباشراً بملف إعادة الإعمار فالغالبية العظمى من أهلنا في المخيمات قد دمرت بيوتهم بشكل كامل أو جزئي وموضوع عودتهم يحتاج إلى جهد حكومي ودولي بالدرجة الأولى ووضع خطط عاجلة وخصوصاً من وزارات: الشؤون الاجتماعية والعمل والطوارئ والكوارث والخارجية والإعلام؛ وتعزيز مبدأ الشفافية في التعامل مع هذه القضية وخصوصاً بين مسؤولي المنظمات “الإنسانية” وسكان المخيمات والرأي العام.
ليس خافياً على أحد أن ما شاب هذا الملف من إشاعات وما رافقه من تصرفات غير أخلاقية “كاستغلال حاجة الناس للحصول على منافع شخصية”؛ حتى ذهب بعضهم إلى ربط ملف أهلنا في المخيمات بأجندات منظمة وشبكات خفية تسعى إلى إطالة أمد هذا الملف لمنافع ضيقة أو حتى لمصالح إقليمية؛ ووجه الكثير من النقد والمساءلة إلى مفوضية الأمم المتحدة أو لنقل مسؤولي المفوضية عن هذا الملف؛ واستند مناصرو هذه الفرضيات إلى الأرقام الكبيرة المعلن عنها من الأمم المتحدة والدول المساهمة والمنظمات ذات الصلة بالإضافة إلى المبالغ “الكبيرة” التي رصدت من حملات “التبرع”؛ وذهب بعضهم إلى توجيه أسئلة عن مقدار ما ينفق فعلياً على أهل المخيمات وما ينفق على الموظفين والمنسقين والإداريين في هذه المؤسسات أو المنظمات “الدولية” من المبالغ التي ترصد أو تجمع لدعم المخيمات.
إن قضية المخيمات السورية لا تحتاج إلى رافعة إعلامية أو “ترند” لتظهر على سطح القضايا السورية الملحة فهي يجب اعتبارها التحدي الأكبر والقضية الأولى والأهم لسوريا الجديدة؛ ومع تعدد المسؤوليات على عاتق السوريين تبقى مسؤولية إغلاق المخيمات تطغى على المسؤوليات الأخرى وإنقاذ الأطفال وكبار السن ليس خياراً بل هو واجب على الجميع من الحكومة إلى المنظمات والإعلام والمؤثرين والسوشال ميديا وكل من يستطيع دعم هذا الملف؛ لكن بمقاربة جديدة وصادقة وشفافة؛ وتحرير الملف من فك السياسة والتعامل معه من منظور إنساني سوري بحت.
إن مقدار الصبر والتحمل الذي أظهره أهلنا في المخيمات كان مصدر إلهام لجميع الشعوب وبالأخص لأبناء الثورة السورية بالإضافة إلى دفعهم أبناءهم وفلذات أكبادهم إلى معارك التحرير فداءً لوطنهم الذي حرموا منه وتهجروا منه تحت ضربات طائرات النظام وحلفائه الدوليين.
واليوم وبعد سقوط من هجرهم ودمر بيوتهم ما زالوا وللسنة الثانية يعيشون تحت خيم قماشية تتكدس فوقها الثلوج شتاءً وتحرقها الحرارة صيفياً.
وكما ذكرنا بأن ملف المخيمات لا يحتاج إلى رافعة ليتصدر القضايا السورية العاجلة كذلك نؤكد أن أهلنا في المخيمات يستحقوا وواجب علينا أن نذكرهم قبل البرد وقبل الحر وحتى قبل أن يجوعوا وقبل أن يموتوا أيضاً ويتحولوا إلى أرقام ابتلعتها المخيمات!.