
نحو فهم للهوية والسيادة في سوريا الجديدة
دور الدين في الهوية الوطنية السورية: بين التأثير والابتعاد
في النقاش حول الهوية الوطنية السورية، يبرز الدين كأحد أكثر العناصر تعقيداً وإثارة للجدل، ليس فقط بوصفه مكوّناً ثقافياً أو روحياً، بل كعامل تاريخي تداخل باستمرار مع السياسة والاجتماع والسلطة. فالدين في السياق السوري لم يكن يوماً عنصراً ثابتاً أو ذا وظيفة واحدة، بل تحرّك عبر الزمن بين دور جامع يعزز التماسك الاجتماعي، ودور إقصائي استُخدم أحياناً كأداة للهيمنة أو للتعبئة أو لتبرير الصراع. من هنا، يصبح فهم العلاقة بين الدين والهوية الوطنية السورية أمراً ضرورياً لفهم ما آلت إليه البلاد، ولمحاولة استشراف إمكانية بناء هوية وطنية جامعة في المستقبل.
تاريخياً، شكّلت سوريا فضاءً دينياً وثقافياً متنوعاً، حيث تعايشت أديان وطوائف ومذاهب متعددة ضمن نسيج اجتماعي واحد. في هذا السياق، لعب الدين دوراً أساسياً في حياة الأفراد والجماعات، لكنه لم يكن بالضرورة مصدر انقسام. على العكس، كان الدين في أشكاله الشعبية والاجتماعية جزءاً من الثقافة اليومية، ومن منظومة القيم والعادات التي تنظّم العلاقات داخل المجتمع، وتمنح الأفراد شعوراً بالانتماء والاستقرار. هذا الشكل من التدين، غير المسيس في الغالب، ساهم في بناء روابط محلية متينة، وعزّز التضامن الاجتماعي، دون أن يُنتج بالضرورة هوية سياسية مغلقة أو صدامية.
ضمن هذا الإطار، لعبت المسيحية دوراً لافتاً في ترسيخ الهوية الوطنية السورية، ليس بوصفها هوية دينية بديلة، بل من خلال اندماجها المبكر في الفضاء الوطني العام. فقد أسهم المسيحيون السوريون في النهضة الفكرية والثقافية، وفي تطوير التعليم والصحافة واللغة، ودعموا تصوراً للهوية يقوم على المواطنة والشراكة والتعدد، لا على الانتماء الديني. هذا الدور عزّز فكرة الدولة المدنية، وأسهم في ترسيخ فهم للهوية الوطنية يتجاوز الانقسامات الطائفية.
غير أن هذا الدور بدأ يتغير مع دخول الدين إلى المجال السياسي، خصوصاً حين تحوّل إلى أيديولوجيا تسعى إلى فرض رؤية واحدة للهوية والمجتمع والدولة. فالإسلام السياسي، بمختلف تياراته، لم يتعامل مع الدين بوصفه عنصراً ثقافياً جامعاً، بل كأداة لإعادة تعريف المجتمع وفق تصورات ضيقة، تقوم على الفصل بين “نحن” و”هم”، وعلى إخضاع التنوع الديني والمذهبي لمعايير الولاء والشرعية. هذا التحول أسهم في تعميق الفجوات بين مكونات المجتمع السوري، وأضعف إمكانية بناء هوية وطنية تتسع للجميع، لأنه ربط الانتماء الوطني بانتماء ديني أو مذهبي محدد.
بعد الاستقلال عام 1946، واجهت سوريا تحدياً مركزياً تمثل في بناء دولة حديثة وهوية وطنية جامعة، في ظل تنوع ديني وطائفي واضح. في هذا السياق، برز المشروع القومي العربي بوصفه محاولة لتجاوز الانقسامات الدينية، عبر التركيز على اللغة والتاريخ المشتركين، وعلى فكرة “الأمة العربية الواحدة”. سعت النخب السياسية آنذاك إلى تقليص دور الدين في السياسة، ليس بالضرورة بدافع العداء للدين، بل انطلاقاً من الرغبة في منع تحوّله إلى مصدر صراع أو انقسام داخل الدولة الناشئة.
إلا أن هذه المقاربة واجهت تناقضات بنيوية. فالدين، رغم محاولات تحييده سياسياً، ظل عنصراً حياً في المجتمع، ومصدراً أساسياً للهوية الفردية والجماعية. لم يكن من الممكن اختزاله في المجال الخاص أو إبعاده كلياً عن المجال العام، لأن حضوره كان متجذراً في البنية الاجتماعية والثقافية. وهنا برز التوتر بين مشروع الدولة القومية الحديثة، الذي سعى إلى هوية جامعة ذات طابع علماني أو شبه علماني، وبين واقع اجتماعي متنوع يرى في الدين مرجعية أخلاقية وروحية لا يمكن تجاهلها.
هذا التوتر لم يُحل، بل جرى احتواؤه في كثير من الأحيان عبر توظيف الدين بشكل انتقائي من قبل السلطة السياسية. فالدين لم يُستبعد تماماً، ولم يُدمج بشكل متوازن، بل استُخدم أحياناً لتعزيز شرعية الحكم، أو لضبط المجتمع، أو لمواجهة خصوم سياسيين. هذا الاستخدام البراغماتي للدين ساهم في إضعاف الثقة بين الدولة والمجتمع، لأنه جعل من الدين أداة سلطة بدل أن يكون مساحة جامعة أو محايدة. كما أنه عمّق الإحساس لدى بعض الفئات بالتهميش أو الإقصاء، خصوصاً حين بدا أن الهوية الوطنية الرسمية لا تعكس التعدد الحقيقي للمجتمع.
مع اندلاع الصراع السوري عام 2011، دخلت العلاقة بين الدين والهوية الوطنية مرحلة أكثر خطورة. فقد عاد الدين إلى الواجهة بقوة، لكن ليس بوصفه عاملاً ثقافياً أو أخلاقياً، بل كأداة مركزية في الخطاب السياسي والدعائي للأطراف المتصارعة. جرى استدعاء الرموز الدينية، وتوظيف الخطاب الطائفي، وتحويل الانتماء الديني إلى معيار للولاء أو العداء. في هذا السياق، لم يعد الدين عنصراً يوحّد السوريين، بل أصبح في كثير من الأحيان عاملاً لتفكيك المجتمع، وتعميق الانقسامات، وتبرير العنف.
الأطراف المختلفة استخدمت الدين بطرق متناقضة، لكنها التقت عند نقطة واحدة: تحويله إلى وسيلة للتعبئة والتجنيد، وإلى أداة لتبرير مشاريع سياسية وعسكرية. هذا الاستخدام المكثف للدين أضعف فكرة الهوية الوطنية السورية، لأنها لم تعد تقوم على المواطنة أو الانتماء إلى دولة واحدة، بل على هويات فرعية متصارعة، ترى في الآخر تهديداً وجودياً. وبدل أن يكون الدين مساحة مشتركة يمكن أن تسهم في المصالحة أو إعادة البناء، تحوّل إلى ساحة صراع إضافية.
في المحصلة، يظهر أن الدين لعب دوراً مزدوجاً في تشكيل الهوية الوطنية السورية عبر التاريخ. فهو من جهة كان ولا يزال جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والثقافي، ومصدراً للقيم والمعاني والانتماء. ومن جهة أخرى، أدى تسييسه واستخدامه الأيديولوجي إلى تقويض إمكانيته كعامل جامع، وحوّله في مراحل معينة إلى أداة للفرقة والانقسام. التحدي الحقيقي أمام سوريا اليوم لا يكمن في إقصاء الدين أو إعادة هيمنته، بل في إعادة تعريف العلاقة بين الدين والدولة والهوية الوطنية، على أساس المواطنة المتساوية، واحترام التعدد، ومنع استخدام المقدس كوسيلة للهيمنة أو الإقصاء. دون ذلك، ستبقى الهوية الوطنية السورية عرضة للتشظي، وسيظل الدين عالقاً بين دوره الأخلاقي الممكن، ووظيفته السياسية المدمّرة.