
بعد عام على الثورة: انتصار على الخوف.. وامتحان في البناء
في الثامن من كانون الأول، لا تعود الذاكرة فقط إلى يومٍ عابر في التقويم، بل إلى لحظة مفصلية أعادت تعريف معنى الخوف، ومعنى الجرأة، ومعنى أن يقرّر شعبٌ، بعد عقود من القهر، أن يقول “لا” دفعة واحدة. في الذكرى الأولى لهروب بشار الأسد، تبدو سوريا وكأنها تقف بين عالمين: عالمٍ انكسر وانتهى، وآخر لم يكتمل بعد، لكنه صار ممكناً لأول مرة منذ زمن طويل.
لم يكن الثامن من كانون الأول يوماً عادياً في تاريخ السوريين. لم يكن مجرد سقوط رجل أو انهيار نظام، بل كان لحظة تحرّر جماعي من وهم “الاستحالة”. لسنوات طويلة، كانت فكرة سقوط السلطة تبدو كأنها ضربٌ من الخيال السياسي، وكأنها حكاية لا مكان لها إلا في أحاديث المقاهي والبيوت المغلقة. فجأة، صار المستحيل واقعاً، وصار ما كان يُهمس به خوفاً يُقال جهاراً في الشوارع.
الذكرى الأولى اليوم ليست احتفالاً بسيطاً بالنصر، لأنها تأتي محمّلة بأسئلة أكبر من الفرح وحده. فرح النجاة من قبضة الاستبداد، يقابله ثقل الخراب الذي تركه خلفه. مدنٌ مدمّرة، اقتصادٌ منهك، مجتمعٌ مثقل بالجراح، وذاكرة جماعية مزدحمة بالمفقودين والمقابر الجماعية والتهجير والانتظار الطويل. لهذا، فإن هذه الذكرى لا تُختصر بالأغاني ولا بالشعارات، بل تُقرأ كميزانٍ بين ما كان، وما يجب أن يكون.
أكبر إنجاز لهذه الثورة، بعد عام على انتصارها، ليس فقط إسقاط رأس النظام، بل كسر حاجز الخوف في وعي السوريين. هذا الحاجز الذي صُنع بعناية على مدى أكثر من نصف قرن، لم يكن مجرد خوف أمني، بل كان ثقافة كاملة: في المدرسة، في الوظيفة، في الإعلام، في العلاقات الاجتماعية. اليوم، ورغم الصعوبات الهائلة، لم يعد السوري هو ذاته الذي كان قبل الثورة. تغيّر في نظرته إلى نفسه، إلى السلطة، إلى حقه في السؤال والمحاسبة والاختلاف.
لكن الطريق بعد إسقاط الاستبداد لم يكن سهلاً، ولن يكون. فالثورات لا تُقاس فقط بلحظة إسقاط الطغيان، بل بقدرتها على بناء بديل عادل، مستقر، وقابل للحياة. بعد عام، لا تزال سوريا تعيش ارتجاج المرحلة الانتقالية: صراعات على النفوذ، أزمات اقتصادية خانقة، بنية تحتية مدمّرة، ومجتمعٌ يحتاج إلى سنوات طويلة من الترميم النفسي قبل العمراني. هذه التحديات ليست فشلاً بحد ذاتها، بل هي الثمن الطبيعي لبلد أُخرج بالقوة من قاع القمع إلى فضاء الحرية المفتوح على كل الاحتمالات.
العدالة، مثلاً، لا تزال واحدة من أعقد الملفات. ملايين المتضررين لا يريدون فقط سقوط النظام الذي ظلمهم، بل يريدون محاسبة عادلة، لا انتقاماً أعمى، بل اعترافاً بالجرائم، وكشفاً للحقيقة، وتعويضاً معنوياً ومادياً قدر الإمكان. العدالة ليست رفاهية أخلاقية، بل شرط أساسي للاستقرار، لأن المجتمعات التي تُغلق جراحها بالقوة تعود لتنزف من جديد.
أما على مستوى الهوية الوطنية، فإن الذكرى الأولى تطرح سؤالاً حاسماً: أي سوريا نريد؟ سوريا الدولة الأمنية المغلقة التي لا ترى في المواطن سوى تابع، أم سوريا المواطنة التي يكون فيها الإنسان هو الغاية لا الوسيلة؟ هذا السؤال لم يعد نظرياً، بل صار جزءاً من الصراع اليومي على شكل الدستور، وطبيعة النظام السياسي، وحدود السلطة، ودور الجيش، والعلاقة بين الدين والدولة، وحقوق الأقليات، والحريات العامة.
لا يمكن في هذه الذكرى تجاهل الدور الهائل الذي لعبه السوريون في الشتات. الملايين الذين خرجوا قسراً حملوا معهم القضية إلى كل بقاع الأرض، ناضلوا بالكلمة، والإعلام، والسياسة، والعمل الإنساني، وحفظوا ذاكرة الثورة حين حاول الكثيرون دفنها بالتعب أو بالمساومات. اليوم، عودة مئات الآلاف إلى الداخل ليست مجرد حركة سكانية، بل عودة لمعنى المشاركة في صياغة المستقبل، بكل ما تحمله من آمال ومخاطر.
الذكرى الأولى أيضاً لحظة وفاء لمن لم يصلوا إلى هذا اليوم. لمن قُتلوا تحت التعذيب، ولمن ماتوا تحت القصف، ولمن فُقد أثرهم في السجون والمنافي. هؤلاء ليسوا “تضحيات” بالمعنى المجرد، بل هم بشرٌ لهم أسماء ووجوه وحكايات. أي مستقبل لا يُبنى بروح العدالة لهم، سيكون مستقبلاً هشّاً، قابلاً للانكسار عند أول اختبار.
بعد عام، يمكن القول إن الثورة انتصرت على الخوف، لكنها لم تنتصر بعد على الفوضى ونتائج الخراب الطويل. وهذا أمر طبيعي في مسار تحوّلات كبرى بهذه القسوة. الانتقال من حكم استبدادي مغلق إلى دولة مفتوحة لا يحدث بقرار، بل بمسار طويل من الصراع مع الذات ومع المصالح ومع إرث الماضي.
في الثامن من كانون الأول، لا يُطلب من السوريين أن يبالغوا في التفاؤل، ولا أن يغرقوا في التشاؤم. المطلوب فقط أن يتذكّروا ماذا كانوا، وماذا أصبحوا، ولماذا خرجوا من الأساس. خرجوا من أجل الكرامة، والحرية، والعدالة، وحقهم في أن يعيشوا دون إذلال أو خوف. هذه المبادئ لم تسقط بسقوط النظام، لكنها اليوم في امتحان أصعب: امتحان البناء.
بعد عام على هروب الأسد، لم تنتهِ الحكاية، لكنها دخلت فصلها الأصعب والأهم. فصل تحويل الثورة من حدث تاريخي إلى مشروع دولة. من صرخة في الشارع إلى قانون في الدستور. من حلم في الصدور إلى واقع في المؤسسات. وهنا يُعرف إن كانت الثورة ستبقى ذكرى، أم ستتحوّل إلى وطن.