قراءة سياسية في ندوة العميد مناف طلاس في باريس

0

ما بدا كمحاضرة إعلامية في سيانس بو تحول إلى مؤشر استراتيجي لا يمكن تجاهله. هذا الحدث ليس مجرد حديث فردي عن مستقبل سورية، بل رسالة مضمرة عن موقع قوى الخارج والداخل، وعن توقيتات تُقاس بدقائق ليست بصغيرة. (المكان والزمان: محاضرة في معهد العلوم السياسية بباريس).

الظاهر كان نظامياً: محاضرة مغلقة إلى حد كبير، إجراءات أمنية، وضوابط على الحضور والإعلام. هذا قيدٌ شكلي يشير إلى إدراك منظمي الحدث لحساسية الرسالة وحاجتهم إلى إدارة الجمهور والمشاعر قبل إطلاق الأفكار. مثل هذه الضوابط لا تُقرَأ كخجل من الكلام، بل كحرفية في تشكيل الانطباع.

العميد طلاس طرح مقترحات عملية أهمها دعوته إلى “مجلس عسكري يوحّد البندقية” ورفض التطبيع مع إسرائيل في المرحلة الراهنة، وهي تصريحات تعيد ترتيب الأولويات: الأمن، الجيش، ووحدة الساحة السورية قبل أي نقاشٍ سياسيّ موسّع. هكذا خطاب يقرؤه بعضهم كدعوة لإعادة الهيكلة العسكرية كمدخل للحل السياسي، ويقرؤه آخرون كإشارة إلى مشروع نفوذ خارجي متحكم بمنصات قيادية مغلوبة على أمرها.

تحركات طلاس اليوم في باريس لا تُفهم بمعزل عن السياق الدولي: محطات تفاوضية، تباينات مصالح إقليمية، ومساحات تفاوض مغلقة ومفتوحة في آن واحد. وقتٌ يُحسب به: لا خروج إعلامي عشوائي من سنوات، ثم ظهور مركز ومحدّد في فضاء أكاديمي دولي «هذا لا يكون صدفة». (هنا استدلال تحليلي مستند إلى معطيات التوقيت وغياب الظهور العام السابق).

إعادة صياغة خرائط القوة بناءً على معطيات الخطاب وقراءة المسرح الإقليمي، يمكن اختزال الخيارات المتنافسة في ثلاثة نماذج تحكم التفكير الاستراتيجي:

• المشروع الإسرائيلي: أسرع، يستثمر تفكك المؤسسات لتقسيم النفوذ، وهو خطر ذي قدرة تنفيذية عالية.

• المشروع الغربي (أو الغربي – الدولي): أبطأ لكنه يسعى لاستقرار معيّن يحافظ على وحدة شكلية لسورية مع قيود على نفوذ قوى إقليمية.

• المشروع الداخلي/الثوري: الأكثر مشروعية شعبياً لكنه الأضعف تكتيكياً ولوجستياً.

طلاس يضع نفسه «أو على الأقل يُعرض كمكوّن» في مواجهة المشروع الأول، وبالاقتراب من الثاني كشريك محتمل أو كوسيط. هذه المعادلة تشرح خوف فصائل الداخل من فرط التفويض أو من تكرار سيناريوهات التفتيت.

ما بين الصمت والرزنامة ثمة إشارات غير مباشرة في طريقة تنظيم المحاضرة: استبعاد تغطية صحفية واسعة، حراسة أمنية، دعوات مقتصرة، وظهور في فضاء أكاديمي محترم. كل ذلك يبعث برسائل مزدوجة: رسالة للداخل السوري (أن هذا الحديث ليس للاستهلاك الشعبي المباشر الآن)، ورسالة للخارج (أن ثمة لاعباً سنّياً عسكرياً سابقاً يعيد ترتيب أوراقه). على هذا الأساس، يمكن اعتبار الندوة اختباراً لنوايا الفاعلين: هل هي ضوء أخضر دولي لتمهيد تغيير أم نافذة تجريبية لقياس نبض الأدوات المحلية؟

ضعف طلاس يكمن في تاريخه السابق وارتباطاته التي لا تختفي بحديثٍ واحد، وقوتُه تكمن في شبكة علاقات خارجية ومحلية لا تزال موجودة. لذلك تحليل بسيط: إذا نجح بتأمين غطاء دولي وتقنية لإدماج فواعل محلية بطريقة تكتيكية (تبادل وظائف، ضمانات أمنية، ووعود استثمارية)، فقد يتحول من عنصر مفاجئ إلى لاعب مركزي. وإلا فسيبقى مشروعاً مفككاً بين مشروعية تاريخية ومشكلة قبول داخلي.

أراها كحكمة بين شرّين، الخطاب الذي سمعناه في باريس لا يمنح إجابات نهائية، لكنه يفرض جملة أسئلة استراتيجية: هل تقدم حلول خارجية تُنفَّذ بسرعة وتفرض أمراً واقعاً؟ أم أن الطريق يبقى طويلاً ويتطلب تمكيناً داخلياً لمنح مشروع موحّد شرعية دائمة؟ طلاس وضع ورقة على الطاولة، من يملك أوراقه الآن؟ وهل الأوراق تلك ذات أوراق حقيقية أم مجرد أوراق فارغة؟ (سؤالُ النهاية مرّ، متكرر، لكنه يفتح شهيّة التحليل).

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني