
العلاقات السورية التركية.. بين الضرورة والحذر
لا أحد ينكر دور دول الجوار وتأثيرها في الملف السوري، سياسياً واقتصادياً، وعسكرياً. وخاصة الدور التركي، الذي يملك أطول حدود مع الدولة السورية، كما أنه بوّابة سوريا نحو أوربا.
والعلاقة السورية التركية تاريخية وقديمة، وقد شهدت شدّاً ودفعاً وجذباً وتوتّرات وتواترات وتباينات سياسية واقتصادية، وحتى عسكرية في مرحلة ما من تاريخهما المعاصر في أواخر القرن المنصرم. بيد أن السياسة ابنة الحاضر، وربّ حليفٍ اليوم قد يكون خصم الغد، والعكس صحيح. إنّ ما يربطنا بتركيا من تاريخ وثقافة وصلات اجتماعية تجعل العلاقة بيننا حتمية وضرورية لا غنى عنها. وقد كان لتركيا دور إنساني كبير في إيواء اللاجئين الفارّين من الحرب والدمار والقتل والفقر والضياع على مدار سنوات الكارثة السورية التي استمرت أكثر من ثلاث عشرة سنة من الاقتتال، وما زالت تؤوي أكثرهم من الذين لم يعودوا بعد سقوط النظام السابق. فلقد آوتهم واحتضنتهم ووفّرت لهم كرامةَ العيش ودفءَ الاستقرار وسكينةَ الأمان، حتى صارت مورداً لإعالة أسر كثيرة ممّن يعتمدون على الحوالات المالية القادمة من ذويهم العاملين في تركيا ومستقرّين بين ربوعها، وهذا فضل لا ينكر.
لكنْ من جهة أخرى فإنّ لتركيا خلافات كبيرة مع بعض الأحزاب السياسية الكردية السورية التي توالي حزب العمال الكردستاني وتتبنّى توجّهاته ومبادئه السياسية والاستراتيجية. وقد نجم عن هذا دخولها في صراعات مسلّحة داخل الأرض السورية، كان ضحيتَها كثيرٌ من السوريين الذين اختاروا القتال على الفرار، يضاف إلى ذلك تهجير ونزوح لأعداد مهولة من الأسر السورية التي خشيت على حياتها؛ أي إنّ المفارقة كانت في ازدواجية الدور التركي في سوريا: إيواء اللاجئين الفارّين من جحيم الاقتتال المستعر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كانت آلتها العسكرية سبباً في تهجير سوريين آخرين. فثنائية: إيواء/ تهجير، خلقت إشكالية جيوسياسية ستظلّ تَرِكَةً ثقيلة على العلاقات السورية التركية لأمد ليس بالقريب انتهاؤه.
وأمّا أخطر ما في هذه المعضلة أو الإشكالية، فهو جانبها الاجتماعي السوري- السوري، بمعنى أنّ أصعب ما فيها وأعقدها يكمن في تأثيرها على البنيان الاجتماعي الداخلي للسوريّين، وما يترتّب عليه من تبعات سياسية ووطنية قد تُخلّ بالنسيج التاريخي للوحدة الوطنية السورية؛ فالفرز بين الدور التركي المزدوج [إيواء/تهجير] سيترتّب عليه تفريق عرقيّ [إيواء السوريين العرب/ تهجير السوريين الكرد]. وسيكون لهذا الفرز آثارُه النفسية والأخلاقية ومن ثَمَّ الاجتماعية والسياسية، وبالمحصّلة كلُّها تجتمع بأثر وطنيٍّ رجعيٍّ على بنية الدولة السورية.
وانطلاقاً ممّا سبق، يصبح من الضرورة بمكان على أصحاب القرار السياسي من السلطة الحالية والقادمة، أيّاً تكُن، أن تسعى إلى معالجة هذه التَرِكة المخيفة واستحداث برامج اجتماعية وسياسية قادرة على حلّ هذه الإشكالية المعضلة، على أن تقوم على أساس أولويّة الداخل السوري ونسيجه الاجتماعي – الوطني، ثم بعد ذلك أخذ العلاقة والجوار التركيّين بعين الاعتبار.
وهذا الجوار التاريخي على أهمّيته وحتميته يجب ألّا يكون، كذلك الأمر، على حساب العمق الاستراتيجي العربي، حين يكون لا بد من الاختيار والمفاضلة.
إذن، يمكن القول إنّ العلاقة السورية – التركية على ضرورتها وأهمّيتها فإنّها تحتاج إلى إرادة سياسيّة مستقلّة، تعرف كيف تحسب وتوازن، والأهمّ أن تكون قادرة على ذلك، خاصّة أن تركيا على قربها منّا مكانيّاً- جغرافيّاً ووجدانيّاً، هو قرب ذو شجون، والأخطر قرب ذو حمولة تاريخيّة لا تخلو من الأطماع في حال تغيّرت السياسة بتغيّر الساسة وقدوم وجوه جديدة لديها هذه الحمولة من الإرث القومي والإمبراطوري الحالم بتوسعة حدوده الجنوبية من العراق إلى سوريا، ولا سيّما أنّنا نعيش مرحلة قد تشهد تشكيل حدودٍ جديدةٍ ورسمَ خرائطَ مستحدثةٍ.
لهذا وذاك وغيره، يجب الحذر من ضرورة لا بدّ منها وقدر لا مهرب منه، ونعمة جوار قد تتبدّل بين سلطة وأخرى إلى نقمة وشرّ مستطير لا تحمد عواقبه. وما حَلَبُ والساحل ببعيدتين عن هذه المحاذير والتخوّفات والاحتمالات، في حال وجدتِ الجارةُ ما يستدعي ذلك من ضعف وانقسامات وتمزيق في بنية الدولة السورية، يضاف إليهما نفط الجزيرة الذي لا يمكن أن تقبل وقوعه تحت سيطرة أحزاب سياسية تكيل لها العداء القريب أو البعيد. وهذا ما لن يكون حينما تكون سوريا قوية متماسكة لا خطر منها يتهدّد أمن جيرانها، إذ في استقرارها استقرارٌ لهم، وفي خلخلة ذاك الاستقرار تهديدٌ مباشر لهم، وخاصّة تركيا التي لن تتوانى عن الزحف جنوباً حين لا مناصّ، حمايةً لأمنها واستقرارها، وطمعاً في تركة جارتها المنهارة، إن حصل ذلك لا قدّر الله.