177 ألف مختفٍ قسري في سوريا: العدالة الانتقالية أمام اختبار مصيري

0

جرح نازف رغم سقوط النظام:

أربعة عشر عاماً من الاختفاء القسري، وعشرات الآلاف من الأرواح المبتورة خلف جدران المعتقلات، تركت ندوباً لا تمحى على نسيج المجتمع السوري.

سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 لم ينقذ آلاف السوريين من مأساة مستمرة: ما لا يقل عن 177,057 شخصاً لا يزالون مختفين قسرياً، بينهم 4,536 طفلاً و8,984 سيدة، وفق قاعدة بيانات الشبكة السورية لحقوق الإنسان.

الجريمة لم تتوقف بسقوط النظام، بل تركت إرثاً قانونياً وإنسانياً عميقاً يختبر جدية العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة.

الاختفاء القسري: سياسة ممنهجة لترهيب الشعب:

منذ عام 2011، اعتمد النظام السابق الاختفاء القسري كأداة لترهيب المجتمع وكبح الأصوات المطالبة بالحرية.

استهدف النظام معارضين ومدنيين على حد سواء، وتحولت المعتقلات إلى “ثقوب سوداء” ابتلعت عشرات الآلاف من الأرواح.

تشير قاعدة بيانات الشبكة إلى أن النظام مسؤول عن أكثر من 90% من حالات الاختفاء القسري، ما يعكس الطابع الممنهج والسياسي لهذه الجريمة.

غالبية المعتقلين يتحولون بسرعة إلى مختفين قسرياً، ما يثبت أن الجريمة كانت مخططاً لها ومنفذة على نطاق واسع بدعم ضمني أو مباشر من مستويات عليا في السلطة.

ما بعد التحرير: أرقام تكشف عمق الفاجعة:

بعد سقوط النظام، أُفرج عن أعداد محدودة من المعتقلين، بينما بقي مصير عشرات الآلاف مجهولاً.

وفق الشبكة السورية، لا يزال 181,312 شخصاً رهن الاعتقال التعسفي أو الاختفاء القسري حتى آب/أغسطس 2025، بينهم 5,332 طفلاً و9,201 سيدة.

من هؤلاء، 160,123 شخصاً محتجزون سابقاً لدى النظام السابق، بينهم 3,736 طفلاً و8,014 سيدة، و21,189 شخصاً محتجزون لدى أطراف النزاع الأخرى، بينهم 1,596 طفلاً و1,187 سيدة.

الآثار الكارثية على الأفراد والمجتمع:

الاختفاء القسري لا يسرق حياة شخص واحد فحسب، بل يترك أثراً جماعياً هائلاً على الأسرة والمجتمع.

الأمهات والزوجات ينتظرن بلا جواب، والأطفال يكبرون بلا آباء، ما يخلق جيلًا محاطًا بالصدمة النفسية والخوف الاجتماعي.

الأثر يشمل الجوانب النفسية، الاجتماعية، الاقتصادية والقانونية، مما يضع على عاتق الدولة والهيئات الوطنية للعدالة الانتقالية مسؤولية تقديم دعم شامل وفعال.

التوثيق والمساءلة: من البيانات إلى العدالة:

الشبكة السورية للحقوق الإنسان واصلت لأكثر من 14 عاماً توثيق الاعتقالات والاختفاء القسري، مطورة قاعدة بيانات وطنية دقيقة وموثوقة.

تأسيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية وهيئة المفقودين في 17 أيار/مايو 2025 يوفر فرصة لكشف الحقيقة، محاسبة المسؤولين، تعويض الضحايا، وضمان عدم تكرار الجريمة.

نجاح هذه الهيئات يعتمد على استقلاليتها الفعلية، وعلى مشاركة الضحايا والمجتمع المدني في رسم السياسات وإدارة الملفات الحقوقية.

توصيات عاجلة لمعالجة قضية المختفين قسرياً:

1. تحقيقات مستقلة وشاملة لجميع المسؤولين من العناصر الميدانية إلى القيادات الأمنية، بمشاركة خبراء دوليين ومحامين مستقلين.

2. تحديد مواقع المقابر الجماعية وفحوص الحمض النووي لمطابقة الرفات مع بيانات المفقودين.

3. توفير دعم نفسي واجتماعي مستمر للأسر وفق المعايير الدولية.

4. التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية والجهات القضائية الدولية لملاحقة مرتكبي الجريمة.

5. إصلاح الأجهزة الأمنية والقضائية، وإقرار قوانين صارمة تجرم الاختفاء القسري وتضمن المساءلة.

6. إطلاق برامج توعية وطنية وبناء قدرات للكوادر الحقوقية والقضائية لضمان توثيق مستقل ومحاسبة فعالة.

7. تعزيز التعاون الدولي مع المؤسسات الحقوقية والإنسانية لضمان توثيق شامل ومشترك، وملاحقة المسؤولين عبر الحدود عند الحاجة.

من الظلام إلى النور:

الاختفاء القسري ليس مجرد انتهاك لحقوق الإنسان، بل جرح مفتوح في جسد الوطن.

العدالة ليست خياراً، بل حق أساس للضحايا والأسرة السورية. الطريق إلى سوريا الجديدة يمر عبر كشف الحقيقة، المحاسبة، التعويض، وضمان عدم تكرار هذه المأساة، لتبنى دولة قوية تحمي كرامة الإنسان وتعيد الأمل إلى المجتمع بأسره.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني