خطر الطائفية على المشروع الوطني السوري

0

لم تكن الطائفية في سوريا سبباً جوهرياً في اندلاع الصراع في سوريا، لكنها سرعان ما تحولت إلى أخطر أدواته. فالصراع الذي بدأ سياسياً حول شكل النظام ومصير الدولة جرى دفعه عمداً إلى قوالب مذهبية وطائفية لتبرير الجرائم وتضليل الرأي العام وتسهيل تمرير مشاريع القوى المتطرفة والتقسيمية، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ إن تحويل الأزمات الوطنية إلى مسألة طائفية لا يؤدي إلا إلى الكوارث. فهو من جهة يبرئ المجرمين الحقيقيين ويعفي أصحاب الأجندات الضيقة من المسؤولية عبر تحميل جماعات بشرية كاملة وزر أفعال أفراد أو فئات محدودة، ومن جهة أخرى يدفع المجتمع نحو الاستقطاب والتخندق بحيث يصبح الانتماء هو معيار الاتهام بدلاً من السلوك، وتتحول البلاد إلى ساحة اقتتال عبثي لا يربح منه إلا أعداء سوريا ووحدتها.

إن الجرائم التي تستهدف المدنيين أو عناصر الأمن أو أي فئة أخرى ليست سوى أعمال إجرامية منظمة تقف وراءها مصالح سياسية واقتصادية وأمنية محلية وإقليمية، لكن الخطر الحقيقي لا يكمن في الفعل الإجرامي نفسه بقدر ما يكمن في كيفية استثماره سياسياً وإعلامياً لإذكاء خطاب الكراهية. فحين تُحمّل طائفة بكاملها مسؤولية جريمة ارتكبها أفراد، تصبح الجريمة مضاعفة: الأولى بفعل القتل أو الخطف، والثانية عبر تحويلها إلى أداة لزرع الخوف وتعزيز مشاريع الانقسام. وما يزيد الأمر سوءاً أن هذا الخطاب التحريضي لا يقتصر على جماعات متطرفة أو وسائل إعلام مشبوهة، بل يتسرب أحياناً إلى منابر سياسية يُفترض بها أن تعبر عن الوطنية والمعارضة.

القوى الإقليمية والدولية بدورها تدرك قيمة الطائفية كأداة لإضعاف المجتمع والدولة معاً، لذلك تعمل على تغذيتها وتمويل خطابها. فالمشاريع التي تطرح في بعض المناطق الساحلية أو الجبلية أو محاولات تكريس كانتونات مذهبية أو قومية لا تجد قابلية للحياة إلا إذا نجح دعاة الفتنة في إقناع الناس أن خلاصهم لا يكون إلا بالانعزال عن الآخر والاحتماء بجدران الطائفة، ومن هذا المنطلق يصبح التحريض الطائفي شريكاً مباشراً في مشروع التقسيم، حتى عندما يتخفى بشعارات الهوية أو المظلومية. فالطائفية في جوهرها تفتك بالهوية الوطنية الجامعة وتفتح الطريق أمام دويلات هشة مرتهنة للخارج.

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب جهداً مزدوجاً. فمن جهة تقع على عاتق السلطة مسؤولية كشف هوية المجرمين والمحرضين ومحاسبتهم وتفكيك الشبكات التي تستثمر في الخطف والقتل لخدمة أجندات تقسيمية، وأي فشل في هذا الدور يعني ترك الساحة فارغة للقوى المتطرفة كي تملأها بخطاب الكراهية والعنف، ومن جهة أخرى تقع مسؤولية كبيرة على النخب السياسية والثقافية والإعلامية التي يفترض أن تحمي مفهوم المواطنة، وتفضح الخطابات الطائفية أيّاً كان مصدرها، وترفض اختزال سوريا في جماعات متناحرة.

الخروج من هذا الفخ يبدأ بوعي السوريين أن الدم المسفوك والمعاناة المشتركة تجمعهم أكثر مما يفرقهم، وأن تحويل الضحايا إلى أدوات في خطاب الكراهية لا يخدم سوى مشاريع الفوضى والانقسام، وان العودة إلى البوصلة الوطنية تعني بناء دولة مواطنة تقوم على المساواة والعدالة، وتستند إلى مؤسسات تحمي الحقوق وتوزع الواجبات بعيداً عن أي تمييز. فالوطن لا يمكن أن ينهض برؤوس طائفية متناحرة، وإنما برأس واحد هو رأس المواطنة الجامعة.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني