مجلس شعب انتقالي: نحو سوريا جامعة لكل أبنائها

0

المقدمة

عندما ينظر السوريون إلى مستقبلهم اليوم، يجدون أنفسهم أمام سؤال كبير: كيف يمكن إعادة بناء دولة عانت من حرب طويلة وتمزق اجتماعي وجغرافي وسياسي؟ الجواب، بالنسبة لكثيرين، يبدأ بوجود مجلس شعب انتقالي يمثل كل المكونات السورية، ويعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع على أسس عادلة ومتوازنة. إن أهمية هذا المجلس لا تكمن فقط في كونه مؤسسة سياسية، بل في رمزيته كجسر بين الماضي المثقل بالصراع والمستقبل المأمول بالاستقرار. فهو يشبه نقطة التقاء بين مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والقومية والدينية، ليشعر كل سوري ــ مهما كان انتماؤه ــ أن صوته مسموع، وأن تاريخه وحقوقه ليست مهمّشة. فمجلس الشعب الانتقالي ليس ورقة إدارية أو قراراً فوقياً، بل هو فرصة تاريخية لتجسيد الحلم بسوريا وطن واحد لا غالب فيه ولا مغلوب.

لا قيمة لمجلس بلا توافق

لكن التجربة الإنسانية والسياسية علمتنا أن أي مجلس أو برلمان يفقد شرعيته إن لم يكن نابعاً من توافق وطني واسع. فالقيمة الحقيقية لأي مؤسسة تمثيلية لا تقاس بعدد المقاعد ولا ببلاغة البيانات، بل بمدى تعبيرها عن ضمير الناس وتنوعهم. إن مجلساً ينشأ من طرف واحد، أو يمثل تياراً سياسياً دون غيره، لن يكون أكثر من واجهة شكلية. السوريون عانوا طويلاً من المؤسسات التي تحمل اسم “الشعب” دون أن تنطق باسمه، ومن البرلمانات التي لم تكن سوى صدى لسلطة مركزية تحتكر القرار. لذلك، فإن المجلس الانتقالي المطلوب يجب أن يقوم على قاعدة الحوار والتفاهم، لا على الغلبة أو الإقصاء. ولنا في تجارب دول أخرى عبرة: ففي جنوب أفريقيا، مثلاً، لم تنجح عملية الانتقال من الفصل العنصري إلى دولة المواطنة إلا بعد أن تم تأسيس برلمان توافقي ضمّ كل القوى المؤثرة. أما في العراق بعد 2003، فإن غياب التوافق الحقيقي في كتابة الدستور وتشكيل المؤسسات أدى إلى انقسامات عميقة ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم.

لا مجلس قبل وحدة الأرض

غير أن الشرط الأول لبناء مجلس شعب جامع هو وحدة الأرض السورية. فكيف يمكن لمجلس أن يمثل دولة بينما أجزاء من هذه الدولة ما زالت خارج سلطتها، وأعلام متعددة ترفرف فوق أراضيها؟ إن وحدة التراب الوطني ليست مجرد شعار سياسي، بل هي أساس الشرعية. المجلس لا يمكن أن يعلن في ظل وجود سلطات متنافسة، لأن ذلك سيجعل منه مؤسسة افتراضية لا تملك قوة تنفيذية أو رمزية. أي مجلس يولد قبل استعادة السيادة الوطنية الكاملة سيولد ضعيفاً، وربما يتحول إلى أداة لتعميق الانقسام بدل ردمه. إن سوريا بحاجة إلى سلطة واحدة وجيش واحد وعلم واحد وعاصمة واحدة، لتكون هناك أرضية حقيقية لمجلس وطني جامع. وهذا يعني أن الأولوية الآن هي لجهود المصالحة الوطنية، وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، وتفكيك كل مشاريع التقسيم، قبل التفكير في تشكيل أي برلمان انتقالي.

تعديل الإعلان الدستوري

ومع ذلك، فإن مسألة الدستور أو الإعلان الدستوري تبقى في قلب أي عملية انتقالية. فالدستور هو الذي يحدد طبيعة العقد الاجتماعي بين السوريين، وهو الذي يمنح المجلس مشروعيته. لكن الدستور الحالي أو الإعلان الدستوري القائم لا يلبي احتياجات المرحلة، ولا يعكس التعدد السوري بتفاصيله. إن سوريا بلد غني بالتنوع: عرب وكرد وسريان وآشوريون وتركمان، مسلمون ومسيحيون ودروز وإيزيديون، تيارات سياسية من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. أي دستور لا يعترف بهذا التنوع ويحميه سيكون دستوراً ناقصاً. من هنا تأتي الحاجة إلى تعديل الإعلان الدستوري أو صياغة إعلان جديد، يضمن:

1. الحقوق المتساوية لجميع المكونات بلا تمييز.

2. فصل السلطات بشكل يحقق التوازن ويمنع الاستبداد.

3. ضمان الحريات العامة كحرية التعبير والتجمع والإعلام.

4. توزيع عادل للثروات بين كل المناطق.

5. نظام انتخابي شفاف يتيح مشاركة حقيقية.

الدستور المطلوب ليس مجرد نص قانوني، بل هو وثيقة مصالحة وطنية، يقرأها الكردي في القامشلي فيشعر أنه شريك، ويقرأها العربي في درعا فيجد نفسه ممثلاً، وتطمئن إليها الأم المسيحية في وادي النصارى كما يطمئن إليها الشاب المسلم في حلب.

البعد الإنساني للمجلس الانتقالي

لا يمكن أن نتحدث عن مجلس شعب انتقالي دون أن نتوقف عند البعد الإنساني. فالسوريون اليوم لا ينتظرون خطابات سياسية، بقدر ما ينتظرون مؤسسات تداوي جراحهم وتعيد لهم الثقة. مجلس الشعب الانتقالي يمكن أن يكون المنبر الذي يرفع أصوات الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، واللاجئين الذين يشتاقون إلى بيوتهم، والشباب الذين حُرموا من التعليم والعمل، والمزارعين الذين خسروا أرضهم. المجلس لن يكون ناجحاً إن لم يشعر الناس أنه يمثلهم في همومهم اليومية: في رغيف الخبز، وفي الكهرباء، وفي حقهم بالعيش بكرامة، قبل أن يمثلهم في القضايا السياسية الكبرى.

الخاتمة

إن الحديث عن مجلس شعب انتقالي في سوريا ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة وجودية. لكنه ليس خطوة يمكن القفز إليها بسرعة أو بعجلة، بل هو ثمرة عملية طويلة تبدأ بتوحيد الأرض، وتستمر عبر تعديل الإعلان الدستوري، وتنضج فقط حين يتم التوافق الحقيقي بين السوريين. المجلس الانتقالي هو المرآة التي ستعكس مدى استعداد السوريين لبناء وطن مشترك، أو استمرارهم في الدوران في حلقة الانقسام. هو الخيار بين أن تكون سوريا وطناً للجميع، أو ساحة صراع للجميع. والسؤال الذي يبقى: هل السوريون مستعدون لأن يضعوا الخلافات جانباً، ويجلسوا على طاولة واحدة، ليكتبوا معاً صفحة جديدة من تاريخهم؟ إنهم يستحقون ذلك، وتضحياتهم الطويلة تصرخ مطالبة به. ولعل مجلس الشعب الانتقالي، إذا جاء بالتوافق والشرعية والوحدة، يكون هو البداية الحقيقية لسوريا المستقبل.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني