اليوم الثالث عشر.. مخرجات الحرب الاثنا عشرية

0

بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية – الإيرانية ذات الاثني عشر يوماً صار لزاماً علينا صياغة رؤيا استراتيجية شاملة ومحاولة التجرؤ في طرح توقعات مستقبلية لمشهد الشرق الأوسط، ضمن تصور يأخذ بالحسبان التوازنات الإقليمية والدولية، والأبعاد الأمنية والاقتصادية والداخلية لكل من الفاعلين الرئيسيين في الإقليم.

أولاً: الحرب الإسرائيلية – الإيرانية

ملخص ما جرى

شنت إسرائيل حرباً خاطفة، ضارية على إيران استهدفت البنية التحتية النووية والعسكرية، ودمرت (بالتعاون مع ضربة أمريكية قاصمة) منشآتها النووية مثل نطنز، أصفهان، فوردو، وأخرجت منظومات الدفاع الجوي عن الخدمة، كما ضربت مراكز تصنيع وإطلاق المسيّرات والصواريخ بعيدة المدى، واغتالت أو حيدت عددا كبيرا من الكوادر القيادية في الحرس الثوري وحوالي سبعة عشر خبيراً نووياً.

ردت إيران بهجمات صاروخية ومسيرات استهدفت الداخل الإسرائيلي، وألحقت بها أضراراً عسكرية ومدنية محدودة، كما وجهت ضربة وحيدة لقاعدة “العديد” الأمريكية في قطر، في رد محسوب هدفه حفظ ماء الوجه وتفادي التصعيد الشامل.

أما تدخل الولايات المتحدة فقد كان من خلال عملية نوعية محدودة ولكن حاسمة، استهدفت منشأة “فوردو” النووية التي لم تتمكن إسرائيل من تدميرها. وأنهت بذلك فعلياً البرنامج النووي الإيراني “المنظور” أو بتعبير أدق، أجلته إلى أمد يتيح للغرب السيطرة على مساره، ودفعت إيران إلى قبول وقف إطلاق النار.

اليوم التالي – “مرحلة ما بعد الحرب”

النتائج المباشرة للحرب

تحييد شبه كامل للقدرة النووية الإيرانية، وشلل مؤقت في قدرات إيران الصاروخية والطيران المسيّر. وتراجع القدرة الإيرانية على التموضع الإقليمي النشط في المدى القريب.

وبذلك حققت إسرائيل مكاسب استراتيجية مهمة، وأصبح بإمكانها أن تتفرغ لاستكمال حرب الإبادة في غزة.

أما الولايات المتحدة فقد اكتفت بـ “نصر موضعي” وتجنبت التورط البري، في سيناريو يعيد إلى الأذهان تدخلها المتأخر في مجريات الحرب الكونية الثانية والتي استحوذت بموجبها على حصة الأسد من غنائم الحرب دون خسائر تذكر، بعد أن أنهكت الحرب الأطراف التي بدأتها.

الحرب وانعكاساتها على منطقة الشرق الأوسط

عشية وقف إطلاق النار قال الرئيس ترامب، أن إيران وإسرائيل ستشهدان حباً وسلاماً وازدهاراً هائلين، الأمر الذي عبر عنه نائب الرئيس فانس بقوله إن نتائج الحرب الاثنا عشرية ستكون بداية لتسوية إقليمية طويلة الأمد، فكيف ستتوضع هذه النتائج على الأرض؟ وما هي تداعياتها؟

دولياً:

لقد انتهت الحرب بمكاسب صافية لإسرائيل وأمريكا، وخسائر استراتيجية لإيران، ما يستدعي أن يدخل الشرق الأوسط في مرحلة إعادة هيكلة جيوسياسية حتمية، تستند على تقليص النفوذ الإيراني، وإنهاء التهديد النووي، وإعادة الاعتبار للدول الوطنية في كل من سوريا والعراق، وتثبيت النفوذ الإسرائيلي والتمدد التركي الاقتصادي.

هذه المرحلة ستتطلب تسويات طويلة الأمد تتجنب التصعيد الشامل، وتُبقي على التوازنات الهشة بين الفاعلين الإقليميين والدوليين.

فأمريكا لا تحبذ التورط المباشر، وتكتفي بـ” إدارة التوازنات” عن بعد، أما روسيا فهي تتمسك بخيوط الملف السوري وتحاول “التعايش” مع النفوذ الإسرائيلي والتركي، بينما تترقب الصين الفرص الاقتصادية وتبتعد عن الانخراط العسكري.

من وجهة النظر الأمريكية، فإن واشنطن لا ترغب في إسقاط النظام الإيراني تماماً وقد أفصحت عن ذلك مراراً سواء على لسان وزير خارجيتها أو حتى على لسان الرئيس ترامب نفسه، فهي تسعى إلى تحجيم الدور الإيراني لا اجتثاثه، وذلك عبر منع إيران من امتلاك سلاح نووي، أو بناء محور عسكري نشط عابر للحدود (الهلال الشيعي). فأمريكا تريد إيران ضعيفة ولكن قائمة، لتوازن القوى مع تركيا وإسرائيل وروسيا في المنطقة. وهي ترى أن الدور الإيراني “المناسب” يجب أن يكون دوراً محصوراً داخل حدودها (أمن داخلي – مصالح اقتصادية)، وأنه عليها التخلي عن دعم الميليشيات المسلحة في اليمن ولبنان وسوريا. وأنه عليها القبول بالانخراط في ترتيبات أمنية واقتصادية إقليمية بقيادة أمريكية – خليجية.

فالنموذج المرجو هو شبيه بالنموذج الصيني ما قبل 2000، دولة قومية منضبطة تسعى للتنمية الداخلية، تبتعد عن التوسع العسكري أو التهديد الأيديولوجي. أما وقد تم تحييد برنامجها النووي، تريد واشنطن فتح باب التفاوض على ملفات، الصواريخ الباليستية، وقضية دعم “وكلاء” إيران في الإقليم، على أن يتبع كل ذلك، إعادة دمج إيران اقتصادياً بشروط أمريكية صارمة.

لقد أضعفت الحرب الركائز العسكرية والنفسية والسياسية للنظام الإيراني، وأصبح النظام مضطراً لإعادة إنتاج شرعيته داخلياً، إما بالإصلاح أو القمع الشديد، إن الولايات المتحدة لا تريد إيران قوية ولا تريد أن تصطدم بفوضى ناتجة عن انهيارها، بل تريدها دولة متوازنة ضعيفة، قابلة للاندماج في نظام إقليمي تقوده واشنطن، بشراكة مع دول الخليج وإسرائيل، وبتفاهمات موضعية مع تركيا وروسيا.

تأثير الحرب على الدور الأمريكي في الشرق الأوسط

رغم أن الولايات المتحدة لم تكن المبادرة بالحرب، إلا أن تدخلها الحاسم في ضرب منشأة فوردو (التي استعصت على إسرائيل) رسخ صورة أن أمريكا ما زالت اللاعب الأعلى كفاءة وقراراً في الإقليم، ولديها القدرة على الحسم في اللحظة الحرجة، فقد أعاد هذا التدخل توازن الهيبة الأمريكية الذي اهتز في السنوات الأخيرة (بعد الانسحاب من أفغانستان، وترددها في سوريا)، ومحل تلك الصورة المهزوزة ترسخت صورتها كـ “ضامن أخير”. واستعادت لنفسها من جديد صورة اللاعب الأعلى كفاءة وقراراً في الإقليم.

لم تخض أمريكا حرباً شاملة، بل ولم تخسر جندياً واحداً كما ذكر نائب الرئيس الأمريكي “فانس”، ولم تورط قوات برية، ولم تغرق في مستنقعات إقليمية، لكنها نفذت ضربة نوعية دقيقة فحسب، هذه المقاربة تجسد عقيدة ترامب/فانس الجديدة: “تدخل حاسم عند الحاجة، وقيادة من الخلف حين يُتاح ذلك”.

لقد منحت الحرب أمريكا فرصة لتوجيه ضربة استراتيجية بأقل كلفة سياسية داخلية وخارجية، فحيدت خطراً نووياً كان يهدد أمن إسرائيل والخليج، وأضعفت الحرس الثوري دون الانخراط في مواجهة مباشرة، كل هذا يعزز قدرة أمريكا على فرض شروطها في أي مفاوضات مستقبلية مع إيران أو وكلائها.

لقد شاهدت دول الخليج (خصوصاً السعودية والإمارات) أن أمريكا لم تتخلَّ عن المنطقة كما اعتقد بعضهم، ولم تتردد في استخدام القوة الصلبة بفعالية عندما تتطلب المصالح العليا ذلك، الأمر الذي يساهم في تعزيز الثقة في المظلة الأمنية الأمريكية، ويوسع التعاون الدفاعي والتكنولوجي مع واشنطن.

لقد بعثت أمريكا برسالة مفادها أنها لن تعود إلى نمط الحروب الطويلة والمباشرة، بل ستتجسد كـقوة تقود التحالفات بدل أن تكون في مقدمتها دائماً. فهي موجودة دائماً، تضبط إيقاع التوازنات الكبرى: إسرائيل – إيران، تركيا – الأكراد، الخليج – اليمن.

وتمنع تفوق أي قوة إقليمية على الأخرى (بما في ذلك إسرائيل نفسها)، فثمة صورة نمطية مختلفة تحل محل “شرطي العالم” إنها صورة يمكن تسميتها بـ “مهندس التوازنات”.

أثبتت التجربة الأخيرة أن التقنيات الأمريكية السيبرانية والاستخباراتية هي الأعلى عالمياً، الأمر الذي يعزز مكانة أمريكا كمصدر أول لتكنولوجيا الأمن والدفاع، كما يعزز دورها في مراقبة ومنع الانتشار النووي في الشرق الأوسط (مع احتمال بدء ضغط مماثل على باكستان مستقبلاً إن لزم الأمر).

إن القارئ بين السطور سيكتشف بوضوح أن الدور الأمريكي المستقبلي كقوة عظمى في الشرق الأوسط يدعم دور “الدولة الوطنية” كبديل عن الميليشيات في العراق وسوريا ولبنان، فمن المرجح أن أمريكا تدفع نحو استعادة الدولة المركزية، ولكن عبر لامركزية إدارية مقننة.

وأنها تدعم الحكومات ضد الميليشيات الخارجة عن السيطرة (سواء المدعومة من إيران أو غيرها).

إن احتواء الكورد ضمن أطر حكم ذاتي دون دعم انفصالهم، مراعاة لتوازنات تركيا والعراق وسوريا مرجح في السياسة الأمريكية خلال الفترة القادمة.

لقد عززت الحرب الهيبة الأمريكية في المنطقة بعد سنوات من التراجع النسبي، والولايات المتحدة تتجه نحو نمط جديد من القيادة الإقليمية، لا يحتكر الأرض، لكنه يمتلك “مفاتيح السماء” (الضربات الدقيقة، ردع نووي، استخبارات متقدمة)، فالدور المستقبلي الأمريكي في الشرق الأوسط كما يبدو سيتجسد في ثلاث وظائف:

– ضامن أمني نهائي عند خطوط حمراء واضحة (إيران – سلاح نووي).

– مهندس توازنات إقليمية دون تورط مباشر طويل الأمد. شريك اقتصادي – تقني – استخباراتي فائق للحلفاء العرب وإسرائيل.

إقليمياً: انتصار استراتيجي – لكن بثمن

الدور الإسرائيلي الجديد في الشرق الأوسط

مثلت الحرب انتصاراً عسكرياً وتكنولوجياً كبيراً لإسرائيل، فقد تمكنت من تحييد البرنامج النووي الإيراني. وضرب العمق الإيراني للمرة الأولى بهذه الجرأة، وإتمام تنسيق عسكري محكم وصريح مع الولايات المتحدة، ولكن، الداخل الإسرائيلي تعرض لهجمات بالصواريخ والمسيرات لم يشهدها من قبل، رغم تفوق “القبة الحديدية”، إلا أنها لم توفر الحصانة الكاملة للإسرائيليين، ما تسبب بضرر معنوي نسبي في الجبهة الداخلية، عدا عن التكلفة الاقتصادية الكبيرة الناتجة عن حالة الطوارئ والتعبئة الشاملة، والتي قدرتها المصادر المختلفة كالـ (Economic Times) والـ (Washington Post) بمبلغ يتراوح بين (3.4 و8.7 مليار دولار خلال 12 يوماً من الاقتتال)، وهو مبلغ يشمل نفقات الدفاع عن الحدود (مثل اعتراض الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوي) والطيران والذخائر والبنية التحتية المتضررة والإعادة والتعويضات.

لكن الحرب أظهرت أن إسرائيل، قادرة على التحرك بشكل مستقل وناجع عسكرياً، وأنها ما زالت تتمتع بـغطاء أمريكي كامل عند الحاجة، وأنه لديها اليد الطولى في توازن القوى العسكري في الشرق الأوسط، ما عزز من مكانتها الإقليمية.

فبعد تحييد التهديد الإيراني النووي، إسرائيل لم تعد في موقف دفاعي مطلق. بل ستنتقل استراتيجيتها إلى هندسة النظام الإقليمي بدلاً من مجرّد التفاعل معه.

وسوف تلعب دوراً أكثر علانية ونفوذاً في الترتيبات الأمنية الإقليمية (خصوصاً مع دول الخليج، الأردن، مصر). ما يتيح لها الانتقال من “عدو محاط بالمخاطر” إلى “قوة مركزية مستقرة” وبالمقابل فإن تراجع قوة “محور المقاومة” والانهيار النسبي في دعم إيران لحزب الله وحماس، يتيح لإسرائيل فرصة توسيع اتفاقات التطبيع (أبراهام) لتشمل دولاً أخرى، مستفيدة من الخوف الخليجي من إيران، والإعجاب الضمني بكفاءة إسرائيل الأمنية.

إن المكاسب التي حققتها إسرائيل في الحرب ستتيح لها إعادة التمركز في غزة، فالتركيز الإسرائيلي المقبل سيكون على غزة بهدف تحييد حماس بالكامل، وربما فرض إدارة بديلة بدعم إقليمي، إن مرحلة ما بعد الحرب في غزة ليست كقبلها فهي سوف تتضمن حرمان حماس من استعادة قوتها العسكرية وفرض السيطرة على الممرات الإنسانية، وإخضاع دور السلطة الفلسطينية لشروط أمنية إسرائيلية واضحة، ستتمكن إسرائيل وفق المعطيات الجديدة بإمكانيات واسعة للردع من طهران إلى بيروت ولن يكون بمقدور أحد منعها من القيام بعمليات محدودة في الجنوب اللبناني بهدف التذكير بالقوة. وربما تنفيذ اغتيالات تكتيكية لتقييد نشاط الحزب دون الانزلاق إلى حرب شاملة.

سيتاح لإسرائيل بفضل هذه الحرب إعادة ترتيبات “اليوم التالي” على المستويات الأمنية بما تتضمنه من تعزيز الجاهزية على الحدود الشمالية (لبنان وسوريا)، وتفعيل اتفاقيات أمنية مع دول الخليج (الإمارات، البحرين، وربما السعودية في المستقبل القريب)، وتصعيد الجهد الاستخباراتي لإبقاء أي محاولة إيرانية لإعادة البناء تحت المراقبة الدقيقة.

وعلى المستوى السياسي – الدبلوماسي، يمكنها الترويج دولياً بأنها أنهت “التهديد النووي الإيراني” لصالح الأمن العالمي، واستخدام هذا الزخم لإعادة تشكيل الرأي العام الدولي بشأن، التعامل مع غزة، والحد من الانتقادات لسياساتها في الضفة الغربية.

أما على المستوى الاقتصادي فيمكنها جذب الاستثمارات الأمنية والتكنولوجية نتيجة نجاحها في الحرب، فيمكنها توسيع صادرات التكنولوجيا الدفاعية والمسيّرات إلى دول عربية وأفريقية، ويمكنها أيضا تعزيز مكانتها كمركز إقليمي للأمن السيبراني والطاقة.

لقد أعادت الحرب تشكيل موقع إسرائيل في الشرق الأوسط، وتحولت من مجرد “دولة ردع” إلى قوة فاعلة في رسم معالم النظام الإقليمي، وباتت قادرة على فرض خطوطها الحمراء بقوة، دون خشية من التصعيد المتبادل. إن اليوم التالي لإسرائيل سوف يتضمن غالباً تصفية حساباتها في غزة، وتقوية محورها العربي التطبيعي، ويتيح لها التحول إلى شريك أمني أساسي لدول المنطقة في مواجهة إيران، ولكن هذه المرة بدون “التهديد النووي”.

إيران

من الطبيعي أن نشهد انحسار الدور الإقليمي لإيران مؤقتاً على الأقل في كل من (سوريا، العراق، اليمن، لبنان). ومن المنتظر وبناء على النتائج الكارثية للحرب الأخيرة أن يحدث في سياستها نوع من الانكفاء والتحول الاستراتيجي نحو الداخل الإيراني، في محاولة لإعادة بناء الاقتصاد والسيطرة الأمنية المتصدعة. فضعف الذراع النووي كورقة ضغط قد يفتح باباً لمفاوضات جديدة مع الغرب ولكن بشروط دولية أكثر قسوة.

إن الدور الجديد الذي سيناط بإيران يحتمل بل ويتطلب صعود تيارات إصلاحية براغماتية في الداخل، مقابل تراجع جناح الحرس الثوري.

لقد أثبتت الحرب هشاشة القدرة الردعية الإيرانية، خاصة أمام التفوق التكنولوجي الإسرائيلي والدعم الأمريكي، فقد تم اختراق العمق الإيراني، وتحييد منشآت يفترض أنها “محصنة”، مثل فوردو، وتم اغتيال الصف الأول من الخبراء والعسكريين. كما أن فشل الحرس الثوري في منع الضربات أو الردع الفعال يضعف شرعيته كـ “حارس للثورة” والنظام الثوري.

ومن المتوقع أن يطفو إلى السطح انقسام متوقع بين التيار المحافظ المتشدد (الحرس وبيت المرشد)، والتيار البراغماتي الذي سيوظف الفشل للدعوة لتغيير المسار، فالبنية التحتية المدمرة، والانكماش الاقتصادي الحاد بفعل العقوبات والتكاليف العسكرية، ستؤدي إلى، تصاعد الاحتجاجات الشعبية، خصوصاً في الطبقات الوسطى والمهمشة.

وعليه فإن شرعية القيادة العليا مهددة بالتآكل، ما لم يتم تقديم “كبش فداء” أو إجراء تعديلات بنيوية، فإما أن نشهد إصلاحاً سياسياً تدريجياً كتعزيز نفوذ مجلس الشورى، وتحجيم سلطة الحرس الثوري، أو انقلاباً داخلياً ناعماً ضمن أجنحة النظام، يُقدَّم فيه وجهاً أكثر اعتدالاً للغرب والعالم.

تركيا

يرى الكثير من المحللين أن تركيا هي المستفيد غير المباشر من هذا الصراع، فهي تعزز نفوذها في شمال سوريا باطراد وبضوء أخضر ضمني روسي – أمريكي، وهي وبعد المصالحة التاريخية مع حزب العمال الكردستاني التي نتج عنها حل هذا الأخير لنفسه، ما منح تركيا فرصة تاريخية لسلوك المسارات السلمية في حل المسألة القومية الكردية، في إطار من التفاهم الوطني وبما يصون وحدة البلاد. 

فقد أصبح بمقدور تركيا أن تقدم نفسها كـ “ضامن توازن” بين قسد والدولة السورية، مستحوذة بذلك على دور مهم في خارطة التموضع الاقتصادي في إعادة إعمار سوريا ولبنان.

العراق ولبنان

تلقى العراق بعض الصفعات المجهولة في اليوم الثاني عشر من الحرب، ربما ليذكرها بالمعطيات الاستراتيجية الجديدة التي سوف تنشأ على ركام ضعف النفوذ الإيراني ما قد يسمح بإعادة التوازن داخلياً بين القوى الشيعية المعتدلة والسنية والكردية.

أما لبنان فإنه من المنطقي أن يتعرض حزب الله لضغوط مالية وعسكرية متزايدة بعد ضعف الدعم الإيراني، ما قد يفتح الباب لتسوية سياسية داخلية أو انفجار داخلي مؤجل.

سوريا

إن استراتيجية تستند على منع عودة إيران إلى الساحة النووية وجعلها تنكفئ على نفسها وتنصرف إلى معالجة أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية المعقدة الناتجة عن سياسة التمدد الإقليمي التي انتهجها طوال أكثر من نصف قرن، وتقليص مساحة الحروب بالوكالة، والكف عن حمل لواء العداء لإسرائيل، هو في الواقع المقصود بتصريحي كل من الرئيس ترامب ونائبه فانس، اللذان يبشران بمرحلة تعود على كل من إسرائيل والداخل الإيراني بالحب والازدهار.

الأمر الذي يعني في سوريا أن مرحلة تثبيت نوع من توازن النفوذ بين إسرائيل وتركيا بغياب إيران، وبرعاية غير مباشرة من روسيا وأميركا، ستحل على الأرجح.

إن تراجع قدرة إيران على التدخل أو التأثير في المنطقة عموماً وفي سوريا والدول المحيطة بها سيمنح السلطات السورية الجديدة الفتية مزيداً من الوقت لاستجماع نفسها، وفرض سلطتها على عموم الجغرافية السياسية السورية ويتيح لها التقاط زمام المبادرة في إعادة الاعتبار للدولة الوطنية، ما يمكنها من التخلص من عبء المرحلة الجهادية وتحييد المجموعات الراديكالية المتشددة وبقايا داعش كجزء من استكمال استعادة السيطرة الكاملة على الجغرافيا السورية. كما يمكنها من كسب المزيد من الوقت لمساعي تهيئة الرأي العام الداخلي الشعبوي، لتقبل فكرة التعدد والتوصل إلى توافق مع “قسد” تدريجياً من خلال تسوية تركز على اللامركزية المحدودة، دون المساس بالوحدة السياسية للبلاد (إلا إذا كان وراء الأكمة ما وراءها)، مع صياغة دستور يلاحظ قوانين ضامنة للتعدد العرقي والإثني. وربما نشهد توجهاً نحو دولة مدنية بنكهة سنية، التي تؤسس لاستقرار اقتصادي ملفت، يدمج المكونات الداخلية تدريجياً ضمن مشروع وطني بإشراف روسي – أممي. ويفتح باب الاستثمار في إعادة الإعمار، بمشاركة خليجية – تركية وربما صينية.

إن نتائج الحرب الاثنا عشرية بما تمخضت عنه من خسارة فادحة لإيران سيكون لها تأثيرات جيوسياسية لا يمكن تجاهلها بالنسبة لحليفها التاريخي الروسي الذي يستجدي العون الأمريكي/الترامبي لانتشاله من المستنقع الأوكراني، فهو سيجد نفسه منخرطاً ولو بشكل محدود لدعم هذا الاستقرار دون مجابهة مباشرة مع تركيا وإسرائيل.

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني