
في ظلّ غياب حكومة انتقالية شاملة.. الإرهاب يضرب كنيسة مار إلياس بدمشق
تفجير كنيسة مار إلياس وآثاره على سوريا
في 22 حزيران الجاري، اهتزت العاصمة السورية دمشق على وقع تفجير إرهابي استهدف كنيسة مار إلياس، إحدى أقدم الكنائس في المدينة، وأحد رموز التنوع الديني والتاريخي في البلاد. لم يكن الهجوم مجرد اعتداء على مكان عبادة أو تجمع ديني فحسب، بل كان صفعة موجعة لوحدة المجتمع السوري، ورسالة دامية على هشاشة الوضع الأمني، خصوصاً في ظل غياب حكومة انتقالية شاملة قادرة على ضبط الأوضاع ومنع الانزلاق نحو مزيد من الفوضى.
الهجوم لم يسفر فقط عن خسائر بشرية ومادية، بل أعاد طرح أسئلة ملحّة حول مستقبل سوريا السياسي، وأولويات المرحلة الراهنة، ومدى قدرة القوى الفاعلة على صياغة مشروع وطني يوقف نزيف العنف والإرهاب. إن استمرار التشتت في إدارة المرحلة الانتقالية، وغياب رؤية سياسية جامعة، يفتح الباب واسعاً أمام الجماعات المتطرفة للنفاذ من ثغرات الانقسام، وتنفيذ عمليات تهدد بجر البلاد مجدداً إلى مستنقع العنف.
أولاً: سوريا بحاجة إلى حكومة وطنية أوسع تمثيلاً
إن غياب حكومة وطنية انتقالية جامعة لكل الطيف السياسي السوري يترك فراغاً قاتلاً تستثمر فيه الجماعات الإرهابية والمتطرفة، خاصة في ظل غياب شرعية واضحة أو احتضان شعبي شامل لأي سلطة سياسية قائمة حالياً. تفجير كنيسة مار إلياس يُعد مؤشراً صارخاً على هذا الواقع، ويظهر بجلاء أن الحلول الأمنية وحدها غير كافية، بل قد تكون في بعض الأحيان سبباً في تأجيج الغضب الشعبي إذا لم تُرفد بمسار سياسي وطني حقيقي.
حكومة انتقالية ذات قاعدة تمثيل واسعة تخلق حالة من التوازن الداخلي، وتحدّ من قدرة القوى الخارجية والداخلية المعادية للثورة على زرع الفتن وزعزعة الأمن. وجود مثل هذه الحكومة من شأنه أن يسحب البساط من تحت أقدام كل من يتغذى على الفوضى، ويرفع منسوب الثقة بين المواطن والسلطة.
ثانياً: الوحدة الوطنية وقوننة العمل السياسي
الوحدة الوطنية لا تُبنى بالشعارات، بل بالمؤسسات والبرامج والقوانين التي تفتح المجال أمام كل السوريين للمشاركة في الحياة السياسية بكرامة وعدالة. أحد أبرز أوجه القصور في الوضع الراهن هو غياب أي إطار قانوني حقيقي ينظم العمل الحزبي، ويمنع الإقصاء السياسي بناء على الخلفيات الأيديولوجية أو المواقف من النظام والمعارضة.
قوننة العمل السياسي الحزبي تمثل حجر الأساس في بناء وحدة وطنية صلبة. إذ تضمن هذه القوننة التعبير السياسي المنظم، وتخلق مناخاً تنافسياً صحياً، بعيداً عن العمل السري أو العنيف، ما يقلل من الانقسامات الحادة ويحد من البيئة الحاضنة للعنف والتطرف.
إن السماح بتأسيس أحزاب سياسية وطنية حقيقية تمثل جميع السوريين، من مختلف المناطق والطوائف والانتماءات، يمكن أن يشكل جدار صد وطني أمام محاولات زعزعة الأمن، ويعيد توجيه الطاقات نحو البناء بدل التدمير.
ثالثاً: ضرورة وضع برنامج عمل وطني انتقالي تشاركي
المشهد السوري اليوم بحاجة إلى أكثر من مجرد حكومة أو مجلس وطني؛ هو بحاجة إلى برنامج عمل وطني انتقالي شامل، يحدد الأهداف والمسارات والآليات بوضوح، ويشارك في صياغته وتمثيله مختلف مكونات الطيف السياسي السوري، من معارضة ومجتمع مدني ومستقلين وتكنوقراط وحتى أطياف معتدلة من النظام السابق ممن لم يتورطوا في جرائم.
هذا البرنامج يجب أن يتضمن خطة للعدالة الانتقالية، ورؤية لإعادة الإعمار، وجدولاً زمنياً للانتخابات، وآليات لبناء المؤسسات، فضلاً عن استراتيجية أمنية متكاملة تُدار بتنسيق مدني – عسكري يضع حياة المدنيين وحقوقهم على رأس الأولويات.
غياب مثل هذا البرنامج حتى الآن جعل من المرحلة الانتقالية مرحلة متعثرة، تسير بلا بوصلة، وتفتقر إلى الحاضنة الشعبية والسياسية. وهو ما يجب تداركه سريعاً قبل أن تتحول تلك المرحلة إلى أزمة دائمة.
رابعاً: نقاط ضعف في حكومة العهد الجديد الانتقالية
رغم التطلعات الكبيرة التي رافقت تشكيل حكومة العهد الجديد، إلا أنها تعاني من عدد من نقاط الضعف البنيوية التي تُعيق أداءها وتقلل من فعاليتها في مواجهة التحديات الأمنية والسياسية الراهنة.
أبرز هذه النقاط:
– استبعاد الكفاءات الوطنية: تم تهميش عدد كبير من الشخصيات السورية المؤهلة لصالح وجوه محسوبة على تيارات أيديولوجية بعينها، ما جعل الحكومة تبدو أحادية التمثيل.
– الولاءات السياسية الضيقة: هيمنة توجه سياسي أو ديني معين على مفاصل الحكومة الانتقالية قلل من مصداقيتها لدى قطاعات واسعة من السوريين، وأعطى انطباعاً بأنها استمرار لحكم النخبة لا بداية لعهد جديد.
– غياب الشفافية والمحاسبة: وهو أمر يبعث على القلق بشأن نزاهة المرحلة الانتقالية وقدرتها على التأسيس لدولة قانون حقيقية.
ولعل المخرج من هذا المأزق يكون عبر:
1. توسيع قاعدة التمثيل في الحكومة، لتشمل أطيافاً سياسية ومجتمعية واسعة.
2. إنشاء مجلس شعب انتقالي فعلي، يكون منتخباً أو متوافقاً عليه، ويعكس واقع المجتمع السوري بكل تنوعاته، ويكون شريكاً في التشريع والرقابة.
خامساً: مجلس شعب انتقالي يمثل كل فئات السوريين
إن تشكيل مجلس شعب انتقالي يمثل جميع فئات السوريين – سواء من المقيمين في الداخل أو المهجّرين في الخارج – لم يعد خياراً، بل ضرورة وطنية عاجلة. هذا المجلس سيكون الضمانة لأي عملية سياسية جادة، والحاضنة الطبيعية للحوار الوطني، وأداة ضغط على السلطة التنفيذية لتبني سياسات أكثر شمولاً وعدلاً.
بدون هذا المجلس، ستبقى الحكومة عرضة للتفرد، وسيبقى المواطن السوري يشعر بالإقصاء والتهميش، مما يغذي مشاعر الإحباط ويجعل البلاد أكثر عرضة للانفجارات الأمنية، كالتي شهدناها مؤخراً في كنيسة مار إلياس.
الخاتمة
تفجير كنيسة مار إلياس لم يكن مجرد حادثة أمنية عابرة، بل كان ناقوس خطر يذكر السوريين جميعاً أن طريق الاستقرار لا يمر عبر الحلول الأمنية، بل عبر مشروع وطني حقيقي، جامع، وشامل. إن بناء سوريا الجديدة يحتاج إلى حكومة وطنية انتقالية تمثل الجميع، وتضع برنامجاً تشاركياً للعمل، وتفتح الباب لقوننة العمل السياسي، وتحترم التنوع، وتؤسس لمؤسسات ديمقراطية فاعلة مثل مجلس الشعب الانتقالي.
الإرهاب لا يزدهر إلا في فراغات السياسة وفوضى الإدارة. وحين تمتلئ تلك الفراغات بمشروع وطني جاد، تُغلق الأبواب في وجه العنف، ويُعاد الأمل لملايين السوريين الذين دفعوا ثمن غياب التوافق الوطني.
سوريا اليوم أمام مفترق طرق حقيقي، فإما أن تستمر في الدوران داخل دائرة الفوضى، أو تمضي نحو بناء دولة لكل أبنائها، دون تهميش أو استبعاد أو إقصاء، الخيار لا يزال ممكناً، لكنه يزداد كلفة مع كل يوم يُهدر دون فعل.