
جحيم السرطان في الشرق السوري: حين يتناسل الموت من أراضي النفط والسموم
على عتبة بيته في مدينة دير الزور، وقف أحفاد الجد جابر يودعونه بصمت ثقيل؛ فرِحلتُه إلى مشفى البيروني بدمشق لم تكن للاستشفاء العادي، بل لمواجهة سرطانٍ نهش صدره. ومع ركوبه حافلة السفر، انشغلت العائلة بحساباتٍ مريرة لتغطية تكاليف الجرعات والفحوصات الغائبة عن المشافي العامة. هذه المعاناة تلخص مأساة آلاف الأسر في محافظات دير الزور والحسكة والرقة، حيث يواجه المرضى أزمة مركبة: إما الموت ببطء أو الإفلاس التام وبيع الأصول لتأمين الدواء.
مقصلة النفقات: رحلة الاستنزاف إلى دمشق
تكشف قراءة الواقع المعيشي للمرضى أن الأزمة الحقيقية تبدأ بعد التشخيص المباشر؛ فغياب المراكز التخصصية المتكاملة في المنطقة الشرقية يُجبر المريض ومرافقه على قطع مئات الكيلومترات دورياً نحو العاصمة. وتتراوح تكلفة الرحلة الواحدة للجرعة الواحدة بين السفر والإقامة المتردية وتأمين المأكل والمشرب ملايين الليرات السورية، وهو ما يرهق عائلات تعتمد على دخول معدومة أو زراعة متآكلة.
المفارقة الصارخة تكمن في الغياب التام لتغطية هذه النفقات الجانبية؛ فالجهات الرسمية والمبادرات الأهلية لا تكفل تكاليف السفر والمبيت. ومع غياب خطوط ائتمان أو دعم مالي مرن، تقع العائلات في فخ الديون بفوائد مرتفعة، أو تضطر مجبرة لبيع عدة أصول من عقارات وأراضي ومواشي لتسديد فواتير الفحوصات التشخيصية الدقيقة (كالخزعات والتصوير الطبقي والمغناطيسي) التي تشهد نقصاً حاداً في المستشفيات الحكومية وتُجرى في المختبرات الخاصة بأسعار فلكية.
جذور الكارثة: تدمير كيميائي – بيولوجي للتربة
الارتفاع الحاد في إصابات السرطان ومعدلات الوفيات بالمنطقة الشرقية بنسبة 40% مقارنة بمعدلات ما قبل عام 2015، ليس محض صدفة؛ بل يعزوه الخبراء إلى تلوث بيئي مدمر ناتج عن فوضى قطاع الطاقة ومخلفات المعارك. وتُشير التقديرات الحقلية إلى تدفق نحو 108,000 طن من المخلفات النفطية سنوياً إلى البيئة المحلية.
تتصدر الحراقات البدائية (المصانع المحلية) المشهد بنحو 48,000 طن سنوياً من الفضلات اللزجة، تليها تسربات الأنابيب المتهالكة والآبار المهجورة بمعدل 28,000 طن، والفيضانات الموسمية التي تجرف المواد الهيدروكربونية لتلوث نحو 20 كم2 من الأراضي الزراعية كل شتاء. وتُعد حادثة تلوث نهر الجقجق في فبراير 2024 نموذجاً صارخاً، حيث تسببت في إغراق 71.9 كم2 من الحقول الزراعية بالبقع السوداء.
هذا التلوث ليس مجرد تشويه للسطح، بل هو تدمير بنيوي متكامل لخصائص التربة:
كيمياء التربة المدمّرة: يحوي النفط الثقيل السوري نسباً عالية من الكبريت والمعادن الثقيلة كالفاناديوم والنيكل. تتراكم هذه السموم لتقلل حموضة التربة وتثبت المغذيات الأساسية كالنيتروجين بنسبة تصل إلى 70%، محولة التربة الرملية إلى بيئة “دهنية” عاجزة عن الاحتفاظ بالماء.
انهيار الحيوية البيولوجية: تقضي الهيدروكربونات العطرية على 90% من النشاط الميكروبي المفيد ودورة النيتروجين الطبيعية، لتفقد الأرض مناعتها وتتحول إلى بيئة طاردة للحياة النباتية.
سلة الغذاء المسّممة: الطريق إلى جسد الإنسان
الخطورة الكبرى تكمن في تحول الشرق السوري من “سلة غذاء وطنية” تؤمن 40% من قمح البلاد إلى بؤرة لتناسل الأمراض. ففي الأراضي الملوثة ببلدة تل حميس، انخفضت إنتاجية القمح بنسبة 68%. والمحاصيل التي تنجح في النمو تمتص الجذور فيها المركبات العطرية الحلقية (PAHs) لتتراكم في الحبوب بنسب تتجاوز الحدود الآمنة بـ 5 إلى 10 أضعاف.
تنتقل هذه السموم عبر السلسلة الغذائية؛ فالقمح الملوث يُطحن ليصبح خبزاً يومياً على موائد الأهالي، والماشية التي تتغذى على أعشاب ملوثة أو تشرب من مياه الخابور ونهر الجقجق الملوثة تنتج حليباً ولحوماً مشبعة بالمواد المسرطنة. وتراكم هذه الجرعات المستمرة في خلايا الجسم يفسر الارتفاع المخيف في إصابات سرطان الدم (اللوكيميا)، وأورام الرئة، وتسمم الكبد، فضلاً عن تسجيل تشوهات خلقية للمواليد في بلدة خراب أبو غالب بمعدلات تفوق الطبيعي بـ 3 إلى 4 أضعاف.
تجارة الموت وغياب المسؤولية
تتضاعف المعاناة مع انهيار المنظومة الرقابية والصحية؛ إذ يقع المرضى ضحية لشبكات التهريب في السوق السوداء التي تبيع أدوية كيماوية مغشوشة أو تالفة بسبب سوء التبريد. وبالمقابل، تظل المشروعات الرسمية المعلنة مثل وضع حجر الأساس لمشفى الأورام بدير الزور بسعة 230 سريراً في آب 2026 وعوداً مؤجلة لا تداوي أنين المصابين اليوم والذين يستنزفون آخر مدخراتهم لتدبير كلفة البقاء.
علاوة على ذلك، يعاني المصابون من انعزال اجتماعي وتفكك أسري؛ بسبب تحول المريض إلى “عبء مادي”، مما يدفع الأطفال أحياناً لترك مدارسهم والانخراط في سوق العمل الشاق لسداد ديون علاج ذويهم.
خطة الإنقاذ: هل من سبيل للتطهير؟
تتطلب مواجهة الكارثة معالجة حاسمة تتجاوز وزارة الصحة لتشمل قطاعات الطاقة والبيئة، تتركز في مسارين قانوني وعلمي:
تفعيل مبدأ “الملوث يدفع”: فرض اقتطاعات ورسوم إلزامية من إيرادات استخراج النفط والغاز بالمنطقة لتمويل صندوق رعاية صحية فوري يؤمن جرعات العلاج مجاناً.
التطهير البيولوجي للتربة: تطبيق حلول علمية مستدامة لزراعة نباتات مجمعة للنفط مثل دوار الشمس والقصب الهندي التي تمتص الهيدروكربونات من التربة، مع إدخال الميكروبات والفطريات المحللة لتسريع التحلل الطبيعي وإعادة بناء الحياة البيولوجية للأرض المتضررة.
إن إنقاذ الشرق السوري يبدأ من الاعتراف ببيانات التلوث، وإتاحة الدواء، وضمان حق السكان البديهي في الحصول على ماء وهواء وأرض لا تحمل الموت في تفاصيلها.