إدلب بين المنظمات والدولة: مستقبل الصحة

0 42

قبل الثورة السورية عام 2011، كانت الخدمات الصحية في محافظة إدلب جزءاً من منظومة صحية تعاني تفاوتاً واضحاً في توزيع الإمكانات بين المدن والأرياف. ورغم وجود مشافٍ ومراكز صحية حكومية وخاصة، فإن الخدمات التخصصية كانت أكثر توفراً في المدن الرئيسية، بينما اعتمد سكان القرى والبلدات الصغيرة على المراكز الصحية المحدودة أو اضطروا إلى السفر للحصول على العلاج. ولم تكن هذه المشكلة خاصة بإدلب وحدها، بل عكست خللاً أوسع في توزيع الخدمات الصحية في سوريا، حيث تركزت نسبة كبيرة من الإمكانات الطبية في المدن الكبرى.

مع اندلاع الثورة، دخل القطاع الصحي في إدلب مرحلة مختلفة تماماً. فقد تعرضت المنشآت الطبية للاستهداف والتدمير، وغادر عدد من الأطباء والعاملين الصحيين، وأصبحت تلبية الاحتياجات الطبية اليومية تحدياً كبيراً. ففي مدينة إدلب، التي كانت تضم مستشفى الهلال الأحمر، تقلص عدد الأطباء من نحو عشرين طبيباً قبل الحرب إلى ثلاثة فقط بحلول آذار 2012. وكان ذلك مؤشراً مبكراً إلى حجم الانهيار الذي أصاب الخدمات الطبية في المحافظة.

لكن الحرب، على قسوتها، دفعت أيضاً إلى نشوء تجربة صحية مختلفة. فمع تراجع دور المؤسسات الحكومية في المناطق الخارجة عن سيطرتها، بدأت المنظمات الطبية السورية والدولية بتقديم الدعم للمشافي والمراكز الصحية، وتأمين الأدوية والمعدات ورواتب العاملين. وتوسعت الخدمات تدريجياً لتشمل مناطق وبلدات لم تكن تمتلك سابقاً إمكانات طبية كافية. وأسهمت المجالس المحلية والكوادر الطبية في إدارة المنشآت، فيما أدت المنظمات الإنسانية دوراً أساسياً في تمويلها واستمرار عملها.

وكان للأطباء السوريين المغتربين دور مهم في هذه التجربة، سواء من خلال تأسيس المنظمات الطبية أو جمع التبرعات وتقديم الخبرات والتدريب وإجراء العمليات التخصصية. ولم يقتصر إسهامهم على إرسال الأموال والمعدات، بل ساعدوا أيضاً في بناء شبكات تعاون بين الأطباء داخل سوريا وخارجها. ومع مرور الوقت، أصبح القطاع الصحي في إدلب يعتمد بدرجة كبيرة على هذا التعاون بين الكوادر المحلية والمنظمات الإنسانية والمبادرات السورية في الخارج. وتشير دراسة أكاديمية عن شمال غربي سوريا إلى أن أكثر من 90% من المنشآت الصحية العامة في المنطقة كانت مدعومة من مؤسسات غير حكومية خلال الفترة التي تناولتها الدراسة.

بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول 2024، دخل القطاع الصحي مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى إعادة بناء منظومة صحية مستدامة. لكن هذا الانتقال لم يكن سهلاً. فسنوات الحرب خلّفت منشآت متضررة ونقصاً في التجهيزات والكوادر، فيما بقيت المستشفيات والمراكز الصحية بحاجة إلى تمويل مستمر. ومع تراجع التمويل الإنساني وتعطل بعض برامج الدعم، ازدادت المخاوف من توقف خدمات أساسية يعتمد عليها السكان.

وفي حزيران 2025، حذرت منظمة الصحة العالمية من أن 172 منشأة صحية في شمال غربي سوريا، بينها 11 مستشفى عاماً و23 مستشفى تخصصياً وأكثر من مئة مركز للرعاية الصحية الأولية، كانت مهددة بفقدان التمويل. وقدرت المنظمة الحاجة إلى 48.7 مليون دولار لضمان استمرار عمل هذه المنشآت مدة عام. وتوضح هذه الأرقام أن المشكلة لا تتعلق بإعادة تأهيل المباني فقط، بل أيضاً بتأمين الرواتب والأدوية والمستلزمات وتكاليف التشغيل اليومية.

اليوم، تقف إدلب أمام سؤال أساسي: كيف يمكن الحفاظ على شبكة الخدمات التي نشأت خلال سنوات الثورة، ثم تطويرها لتصبح جزءاً من نظام صحي وطني متكامل؟ لا تستطيع الحكومة وحدها، في ظل محدودية الموارد وحجم الاحتياجات، سد جميع الفجوات بسرعة، كما لا يمكن بناء قطاع صحي مستقر على المساعدات الخارجية وحدها.

المطلوب هو خطة واضحة لإعادة تأهيل المشافي، وتوزيع الخدمات بعدالة بين المدن والأرياف، وتحسين أوضاع العاملين الصحيين، إلى جانب استمرار مساهمة المنظمات والأطباء السوريين المغتربين. فالصحة ليست خدمة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التعافي الاقتصادي، بل هي أحد شروطه الأساسية. والتحدي الحقيقي ليس فقط إبقاء المستشفيات مفتوحة، وإنما ضمان أن يجد المريض في إدلب العلاج الذي يحتاج إليه، بصرف النظر عن مكان إقامته أو قدرته على دفع تكاليفه.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني