
جبر الضرر.. روح العدالة ومطلب أم الشهيد
كان من أهم مخرجات مؤتمر السلم الأهلي والإخاء الوطني في دمشق موضوع جبر ضرر المنكوبين الذين عانوا أشد أشكال القهر والعذاب خلال الثورة السورية، عبر براميل الموت التي ألقاها النظام البائد على المدن والقرى الثائرة.
في زيارة قامت بها هيئة العدالة الانتقالية إلى إحدى القرى المدمرة.. كان بين الركام امرأة مكلومة أشار إليها الجميع، فقدت زوجها وأربعة من أولادها تحت الأنقاض وصارت أيقونة الصبر والوجع.
وحين جاء وفد الهيئة أشار إليها الجميع وبالفعل فقد كان مشهداَ تنكسر له القلوب، وراحت الصورة تحكي عن توحش المشهد ووجوب الانتقام، وراج الجميع يؤكدون لها القول بأن العدالة آتية والمشانق تنتظر هؤلاء المجرمين، ولن يفلتوا، فاطمئني واستبشري، نحن بالمرصاد!
لقد بادروها بأبلغ الكلام، وقدموا عهوداً لا يشق لها غبار، أن القصاص قادم.
ساد صمت قصير، وبدا أنهم قدموا لها بلسم الرضا وعزيمة الصمود، ولكنها فاجأتهم بخطاب آخر.
وقفت على ركام بيتها وأنينه، وهي تنظر إلى مقبرة القرية حيث دفن زوجها وأولادها الشهداء وقالت: أيتها الحكومة، لو أنكم جئتم بمن ألقى البراميل ودمر حياتنا وبيوتنا، لو أوثقتموه على ركام بيتي وأطلقتم عليه الرصاص وأعدمتموه وسال دمه على الأرض، أريد أن أسألك: ما الذي سيتغير في حياتي ونكبتي هنا!؟
ربما يكون نصراً لك، أما أنا، فأحتاج شيئاً آخر، لدي الآن ثلاث بنات هن آخر ما تبقى من الأسرة، أريد عملاً شريفاً لأنفق عليهن، أريد دعماً حقيقياً لأعيد بناء بيتي، أريد أن تجد بناتي بيتاً يؤويهن ومكاناً لهن في الجامعة، ليعشن كما يعيش الناس، وهذا فقط هو الوفاء للشهداء.
الاقتراح الذي حمله مؤتمرنا كان بسيطاً للغاية، ما تحتاجه القرى المدمرة هو الحياة والإعمار.
وفق تسريبات غير مؤكدة، فإن الدولة الجديدة سيطرت على نحو 67000 عقار من مخلفات سلطة الفساد والقمع والظلم، وهي بالطبع عقارات مهمة ولا مبالغة فيما قيل عن أسعارها الفاحشة.
طبعاً رقم 67000 هو رقم مسرب، قد تكون الحقيقة أكثر من ذلك وقد تكون أقل، ولكنها دون شك ستزيد عن مائة ألف عقار خلال الأشهر التالية، وكلي أمل أن تقوم الدولة الجديدة بنشر قائمة كاملة وشفافة ومسؤولة بكل ما تمت مصادرته من سلطة الفساد بالرقم والإحداثيات والصورة والقيمة التقديرية، فهذا حق المتضررين وليس غنائم الحرب، والطريقة الوحيدة لتطهير هذا المال هو إنفاقه في المظلومين من أهل الحاجة والعوز.
الآن، الاقتراح هو أن يتم بشكل فوري ومتتال إصدار قوائم واضحة للعائلات التي نكبت بدمار بيوتها، وبالتالي قوائم واضحة ومحكمة بالعقارات الجاهزة للبيع، وأن يكون البيع في مزادات حاشدة، يتم فيها الإعلان عند كل مزاد بعشرة آلاف عائلة منكوبة ستستفيد من هذا المزاد!
سيكون المزاد هنا مناسبة جماهيرية للتنافس في الخيرات، وربما يدفع الخيرون أثمان هذه العقارات أضعافاً مضاعفة، إذا أيقنوا أن ثمنها سيذهب مباشرة إلى عائلات منكوبة معروفة بالاسم والوصف.
بعد 19 شهراً على سقوط نظام القمع والظلم، لا يزال في الخيام نازحون كثر، لا يوجد مكان يؤويهم، ولا يزال معظمهم حيارى، يجترون الحزن والقهر!
من هو صاحب هذا الاقتراح؟ وهل يستحق أن تصغي له الدولة، وتثق بفكرته؟ أم أن وراء الاقتراح مؤامرات خفية وبروتوكولات صهيونية كما تعودنا في إجهاض كل اقتراح ثوري؟
صاحب الاقتراح هو بالضبط أم الشهداء الأربعة التي وقفت على ركام بيتها لتقول لهم وجعها الحقيقي، وليست النائحة الثكلى كالنائحة المستأجرة.
هل سيجد هذا الاقتراح سبيله ليتحول إلى عدالة حقيقية؟
وهل سيقام بالفعل عرس التكافل والإيثار والوفاء لدماء الشهداء؟