العلم قبل السلاح.. كيف ترسم سورية الجديدة ملامح جيش المستقبل؟

0 12

ليست الجيوش الحديثة مجرد تشكيلات قتالية تمتلك السلاح والعتاد، بل أصبحت مؤسسات علمية متكاملة تُبنى فيها القوة قبل أن تُبنى في ميادين القتال.

ومن هذا المنطلق، يأتي قرار الرئيس أحمد الشرع بإحداث الجامعة الوطنية للعلوم الدفاعية والجامعة السورية للعلوم الأمنية بوصفه محطة مفصلية في مسار بناء الدولة السورية الجديدة، لأنه ينقل المؤسسة العسكرية والأمنية من مرحلة إعادة التنظيم بعد سنوات الحرب إلى مرحلة إنتاج المعرفة العسكرية والأمنية، وصناعة الكفاءات، وتطوير العقيدة القتالية على أسس علمية تواكب تحديات القرن الحادي والعشرين.

لقد أثبتت التجارب الدولية أن الدول التي خرجت من الحروب الكبرى لم تكتف بإعادة بناء الثكنات أو شراء الأسلحة، وإنما أعادت بناء الإنسان العسكري أولاً.

فقد ركزت دول عديدة بعد النزاعات على تطوير مؤسساتها التعليمية العسكرية، وإقامة مراكز أبحاث استراتيجية، وربط الجامعات العسكرية بالتكنولوجيا والصناعة والابتكار، لأن المعركة الحقيقية تبدأ في قاعات الدراسة ومختبرات البحث قبل أن تبدأ في ساحات القتال.

وفي هذا السياق، تبدو الخطوة السورية ذات أهمية استثنائية، لأنها لا تقتصر على إنشاء جامعتين جديدتين، بل تؤسس لفلسفة جديدة في إدارة المؤسسة العسكرية والأمنية.

فجمع الكليات البرية والجوية والبحرية، والمعهد العالي للعلوم التطبيقية والتكنولوجيا، والمعاهد التقانية العسكرية تحت مظلة أكاديمية واحدة، يحقق التكامل بين التأهيل العسكري، والتعليم الجامعي، والتدريب العملي، والبحث العلمي، بما يخلق بيئة قادرة على تخريج ضباط يمتلكون المعرفة العلمية إلى جانب الكفاءة القيادية والانضباط العسكري.

إن الحروب لم تعد تُحسم فقط بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل أصبحت تُحسم بقدرة الجيوش على استثمار التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة، والحرب الإلكترونية، والأمن السيبراني، وأنظمة القيادة والسيطرة، وتحليل البيانات الضخمة، أصبحت جميعها أدوات أساسية في أي صراع معاصر.

ومن هنا، فإن ربط التعليم العسكري السوري بالعلوم التطبيقية والتكنولوجيا ليس ترفاً أكاديمياً، وإنما ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة التحديات التي تواجهها الدولة السورية اليوم.

فسوريا الجديدة لا تواجه تهديداً واحداً، وإنما مجموعة متشابكة من التحديات الأمنية والعسكرية. وفي مقدمة هذه التحديات يأتي خطر التنظيمات الإرهابية التي تسعى إلى استغلال أي فراغ أمني لإعادة تنظيم صفوفها، وهو ما يفرض وجود مؤسسة عسكرية تمتلك القدرة على الجمع بين العمل الاستخباراتي، والتكنولوجيا، والعمليات الميدانية الدقيقة.

كما تواجه الدولة تحدياً آخر يتمثل في مكافحة شبكات تهريب وتجارة المخدرات، وهي الظاهرة التي تفاقمت بصورة كبيرة خلال عهد المخلوع بشار الأسد، وتحولت إلى مصدر تهديد للأمن الوطني والإقليمي، بعدما ارتبطت بشبكات منظمة عابرة للحدود.

والتعامل مع هذا النوع من الجرائم لم يعد يعتمد على الوسائل التقليدية فقط، بل يحتاج إلى كوادر أمنية متخصصة في التحليل الجنائي، والاستخبارات المالية، والتقنيات الرقمية، والتعاون الدولي، وهو ما يجعل إنشاء الجامعة السورية للعلوم الأمنية استثماراً مباشراً في بناء هذا النوع من القدرات.

ويضاف إلى ذلك تحدي استكمال توحيد البلاد تحت سلطة الدولة، وترسيخ مبدأ احتكار الدولة للسلاح باعتباره أحد أهم أسس الاستقرار، فالتجارب الإقليمية أثبتت أن وجود أي سلاح خارج إطار المؤسسات الرسمية يؤدي إلى تعدد مراكز القرار الأمني، وإضعاف هيبة الدولة، وخلق ثغرات تستغلها التنظيمات الإرهابية والجريمة المنظمة والقوى الخارجية.

ومن هنا، فإن بناء مؤسسة عسكرية احترافية ذات تأهيل علمي متقدم يمثل أحد الضمانات الأساسية لترسيخ هذا المبدأ وتعزيز ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ولا يمكن إغفال التحديات الخارجية، وفي مقدمتها الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي السورية في ظل حكومة بنيامين نتنياهو، والتي باتت تشكل اختباراً دائماً لقدرة الدولة على حماية سيادتها.

ومهما اختلفت طبيعة أدوات الرد التي تقررها القيادة السورية، فإن امتلاك مؤسسة عسكرية تعتمد على التخطيط العلمي، والبحث، والتكنولوجيا، والقيادات المؤهلة، يمنح الدولة قدرة أكبر على بناء خياراتها الدفاعية بصورة مدروسة ومستدامة.

إن ما يلفت الانتباه في المشروع السوري الجديد أنه لا يركز فقط على التعليم النظامي، بل يؤسس أيضاً لثقافة البحث العلمي العسكري.

ففي الجيوش المتقدمة، لا يُنظر إلى الجامعات العسكرية على أنها مؤسسات تمنح الشهادات، وإنما باعتبارها مصانع للأفكار، ومنصات لتطوير العقيدة العسكرية، وإنتاج الحلول التقنية، ودراسة التهديدات المستقبلية، وهذا ما تحتاجه سوريا في المرحلة المقبلة، حيث تتغير طبيعة المخاطر بوتيرة متسارعة، من الهجمات السيبرانية إلى الطائرات المسيّرة منخفضة الكلفة، ومن حروب المعلومات إلى الذكاء الاصطناعي العسكري.

كما أن إعادة هيكلة التعليم العسكري من مرحلة التأهيل الأساسي وحتى الدراسات العليا تعني أن الضابط السوري لن يتوقف عند حدود التدريب الأولي، بل سيكون أمام مسار مهني وأكاديمي متكامل يواكب تطوره الوظيفي، ويضمن استمرار تحديث معارفه وقدراته طوال سنوات الخدمة، وهذه إحدى السمات الأساسية للجيوش الاحترافية في العالم، حيث أصبح التعلم المستمر جزءاً من العقيدة المؤسسية.

والأهمية الحقيقية لهذه الخطوة أنها تأتي في توقيت تنتقل فيه سوريا من مرحلة إدارة آثار الحرب إلى مرحلة بناء مؤسسات الدولة الحديثة، فبعد سنوات طويلة استنزفت القدرات البشرية والمادية، أصبح الاستثمار في الإنسان هو الاستثمار الأكثر جدوى، لأن المؤسسة العسكرية القوية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من معدات، بل بما تمتلكه من عقول قادرة على تشغيل هذه المعدات، وتطويرها، واتخاذ القرار الصحيح في أصعب الظروف.

إن بناء جامعات دفاعية وأمنية حديثة ليس مشروعاً تعليمياً فحسب، بل هو إعلان عن رؤية استراتيجية تعتبر أن أمن الدولة يبدأ من المعرفة، وأن السيادة الوطنية لا تُحمى بالسلاح وحده، بل بالعلم والانضباط والاحتراف.

وإذا نجحت هذه المؤسسات في تحقيق الأهداف التي أُنشئت من أجلها، فإنها ستكون إحدى أهم الركائز التي يستند إليها مشروع الدولة السورية الجديدة، ليس فقط في بناء جيش أكثر كفاءة، وإنما في ترسيخ نموذج مؤسساتي يجعل العلم والتكنولوجيا والبحث أساساً للقوة الوطنية، ويؤهل سوريا لمواجهة تحديات المستقبل.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني