
إشكالية الاستقرار السوري في ظل الشروط الأمنية الإسرائيلية (12)
تحولات سوريا العميقة وانعكاساتها على التوازنات والمعادلات الإقليمية الجديدة: دراسة في السيناريوهات المستقبلية
التمهيد: المشهد السوري بعد 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024 وصعود أحمد الشرع
منذ كانون الأول (ديسمبر) 2024 دخلت سوريا مرحلة جديدة تماماً من تاريخها السياسي والاجتماعي، عقب سقوط النظام السابق وبروز قيادة انتقالية بزعامة الرئيس أحمد الشرع، الذي تولّى السلطة رسمياً في كانون الأول (ديسمبر) من العام نفسه. هذه المرحلة لا تشبه أيّاً من المراحل السابقة منذ عام 2011، فقد جاء نموذج الانتقال هذه المرة فريداً ومختلفاً عن التجارب المحيطة؛ إذ لم يكن نتيجة تفاوض دولي مباشر أو انقلاب عسكري، بل نتيجة تحوّل داخلي مدعوم بقبول شعبي وإسناد أممي محسوب. وقد أظهرت تقارير الأمم المتحدة في مطلع عام 2025 أن “سوريا تقف أمام فرصة انتقال سياسي مشروطة، ما تزال مرتبطة بإجراء إصلاحات عميقة وبناء مؤسسات شرعية لتحقيق الاستقرار”. ومع هذا التحوّل، برزت أمام السوريين فرصة تاريخية لإعادة صياغة مفهوم الدولة بعيداً عن الاستبداد والتبعية، وباتت البلاد أمام سؤال مركزي: هل يمكن تحقيق استقرار حقيقي ومستدام بعد عقود من الاستبداد والديكتاتورية والانقسام والحروب؟
النتائج المحتملة:
استقرار نسبي داخلي، مع استمرار بعض التوترات الإقليمية.
الحفاظ على مرونة دبلوماسية لمواجهة التحولات المفاجئة في المنطقة.
إمكانية توسيع نطاق الاتفاقيات تدريجياً إلى السلام الشامل عند تهيئة الظروف الداخلية والخارجية.
المخاطر:
طول فترة الانتقال قد يؤدي إلى تراكم الضغوط الشعبية والمطالب الاقتصادية والسياسية.
استغلال بعض القوى الإقليمية والفصائل المسلحة للمرحلة الانتقالية لتعطيل أي تقدم حقيقي نحو السلام الشامل.
3. السيناريو الثالث: الاتفاق المرحلي المحدود
يفترض هذا السيناريو لجوء سوريا إلى صياغة اتفاقيات أمنية أو مؤقتة مع إسرائيل، تقتصر على الحد الأدنى من القضايا الأمنية، تركز على:
مراقبة الحدود وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
التعاون في مكافحة الإرهاب والفصائل المسلحة.
ترتيبات مرحلية محددة زمنياً يمكن مراجعتها لاحقاً.
النتائج المحتملة:
تحقيق فوائد ملموسة للشعب السوري دون الدخول في التزامات اقتصادية وسياسية واسعة.
بناء ثقة تدريجية بين الأطراف، مع إمكانية توسيع نطاق الاتفاقيات لاحقاً.
تقليل الاحتكاك مع الرأي العام الداخلي والمعارضة التقليدية.
المخاطر:
محدودية التأثير على التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
احتمال تعطيل الاتفاق المرحلي من قبل أطراف إقليمية أو فصائل داخلية غير خاضعة للسلطة المركزية.
استنتاج مبدئي للسيناريوهات
التسريع نحو السلام الشامل هو الأكثر طموحاً، لكنه يتطلب توافقاً داخلياً وإقليمياً قوياً.
الانتقال الطويل أو التدريجي هو السيناريو الأكثر احتمالاً في المدى القصير، لأنه يوازن بين استقرار الدولة والضغوط الداخلية والإقليمية.
الاتفاق المرحلي المحدود يمثل حلاً تكتيكياً يسمح بالتحرك بسرعة دون المخاطرة بمكاسب كبيرة أو التسبب في فوضى داخلية.
يمكن اعتبار هذه السيناريوهات إطارات مرنة للتخطيط الاستراتيجي، حيث يمكن دمج بعضها أو الانتقال بينها حسب التطورات الداخلية والإقليمية المستقبلية.
الخلاصة التحليلية والقراءة المستقبلية
انطلقت هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن مسألة السلام السوري–الإسرائيلي بعد 2024 لا يمكن مقاربتها بوصفها خياراً ثنائياً بين الحرب والسلام، بل باعتبارها نتاجاً لتفاعل معقّد بين الشرعية السياسية، ومتطلبات الاستقرار الداخلي، وتوازنات الإقليم، وحدود الممكن في المرحلة الانتقالية. ومن خلال تتبّع هذه العوامل، يمكن بلورة خلاصة تحليلية تُضيء على المسارات الواقعية لسوريا في المرحلة المقبلة:
1. استقرار سوريا: مفهوم متعدد الأبعاد
الاستقرار السوري الكامل يشمل ثلاثة أبعاد مترابطة:
الاقتصادي: إعادة بناء البنية التحتية، جذب الاستثمار، وتنشيط التجارة الداخلية والخارجية.
الأمني: سيطرة الدولة على كامل التراب الوطني، وتقليص تهديدات الفصائل المسلحة والتهديدات الإقليمية.
الاجتماعي والسياسي: تحقيق توافق داخلي يسمح بإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وضمان شرعية سياسية فعّالة.
تحقيق الاستقرار في أي بعد من هذه الأبعاد يتطلب تنسيقاً دقيقاً بين السياسات الداخلية والدبلوماسية الإقليمية.
2. الموقف الإسرائيلي وأدواته
في هذا السياق، يتبيّن أن الموقف الإسرائيلي يشكّل عاملاً ضاغطاً دائماً على معادلة الاستقرار السوري، إذ تنظر إسرائيل إلى سوريا من منظور أمني بالدرجة الأولى، وتسعى إلى منع تشكّل بيئة استراتيجية غير قابلة للضبط على حدودها الشمالية. وتستخدم لتحقيق ذلك مزيجاً من الأدوات العسكرية والسياسية والدبلوماسية، ما يجعل الاستقرار السوري مشروطاً، جزئياً، بتفاهمات أمنية مباشرة أو غير مباشرة، وإن بقيت هذه التفاهمات محكومة بسقوف سياسية واضحة.
من الواضح أن إسرائيل لن تسمح باستقرار سوري كامل دون سلام استراتيجي يضمن مصالحها الأمنية. وتتنوع أدواتها في هذا السياق بين:
الضربات العسكرية الانتقائية على أهداف استراتيجية.
استخدام نفوذها الدولي لتقييد التسهيلات الاقتصادية أو العسكرية لسوريا.
الضغط على الأطراف الإقليمية المؤثرة لمنع أي تقدم سريع نحو اتفاقيات شاملة.
3. الدور الحاسم للرأي العام السوري
يبرز الرأي العام السوري بوصفه أحد المحددات الأساسية لأي مسار تفاوضي محتمل. فالحمولة الرمزية والسياسية لقضية الجولان، والتاريخ الطويل للصراع، يجعلان من أي اتفاق شامل مع إسرائيل خطوة عالية الكلفة داخلياً ما لم تُبنَ على مراحل، وتُقدَّم ضمن سردية وطنية تُظهر مكاسب ملموسة وتضمن عدم المساس بجوهر السيادة الوطنية. وهذا الواقع يفرض على الحكومة الجديدة اعتماد خطوات تدريجية ومرحلية لبناء الثقة الشعبية.