
واشنطن تمسك العصا من المنتصف
لم تعد الحرب الأميركية/الإيرانية مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، كما لم يعد اليمن ملفاً منفصلاً عن المشهد.
فمع اتساع نطاق المواجهة، وعودة الحوثيين إلى استهداف السعودية، بدأت خطوط جديدة تتقاطع بين الخليج والبحر الأحمر وباب المندب ومضيق هرمز، فيما تحاول الإدارة الأميركية أن تدير هذه الملفات من دون أن تجد نفسها أمام حرب إقليمية مفتوحة لا تستطيع التحكم بمساراتها.
وهنا ربما يمكن فهم السلوك الأميركي الحالي من زاوية مختلفة (واشنطن تمسك العصا من المنتصف).
فالرئيس دونالد ترامب لم يتخل عن الضغط على إيران، ولم يغلق الباب أمام الخيارات العسكرية، لكنه في الوقت نفسه يترك باب التفاوض مفتوحاً.
وفي موازاة ذلك، وبينما طلب ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان من ترامب توجيه ضربات مباشرة إلى الحوثيين، أفادت تقارير بأن الرئيس الأميركي رفض فتح جبهة عسكرية أميركية جديدة في اليمن، مكتفياً، بحسب مسؤولين أميركيين، بتقديم معلومات استخبارية وبيانات استهداف للسعودية.
هذه السياسة قد تبدو متناقضة للوهلة الأولى، لكنها تصبح أكثر وضوحاً إذا نظرنا إلى الأولويات الأميركية.
فواشنطن تريد الحفاظ على مصالحها الأساسية، وفي مقدمتها حرية الملاحة وأمن طرق التجارة والطاقة، لكنها لا تريد أن تتحول المواجهة مع إيران إلى حرب متعددة الجبهات، تشمل اليمن والخليج والبحر الأحمر في الوقت نفسه.
والتطورات الأخيرة تؤكد أن المسألة لم تعد نظرية.
ففي التاسع عشر من أيلول، أعلنت السعودية أن الحوثيين حاولوا استهداف الرياض بصاروخ باليستي، إضافة إلى محاولات استهداف منشآت وبنى تحتية في مناطق سعودية أخرى، فيما قالت الرياض إنها اعترضت الهجمات.
وجاء ذلك في وقت تصاعد فيه القتال على الساحل اليمني للبحر الأحمر، بما يزيد المخاطر على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.
وهنا تبدأ دول الخليج في إعادة حساباتها.
فالسعودية التي تمتلك علاقة استراتيجية طويلة مع الولايات المتحدة، تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب (واشنطن موجودة، وتقدم دعماً استخبارياً وعسكرياً غير مباشر، لكنها لا تريد أن تخوض نيابة عن حليفها حرباً مفتوحة مع الحوثيين في الوقت الذي تنشغل فيه بالمواجهة مع إيران).
وهذا لا يعني بالضرورة أن التحالف السعودي/الأميركي يتفكك، لكنه يعني أن مفهوم الاعتماد الكامل على قوة واحدة في حماية الأمن الإقليمي لم يعد يبدو كافياً كما كان في السابق.
واللافت أن الرد على هذا الواقع بدأ يأخذ شكلاً إقليمياً.
فباكستان أعلنت التزامها بالدفاع عن السعودية، وقال مسؤولون عسكريون وسياسيون إن إسلام آباد مستعدة للوقوف إلى جانب الرياض، فيما تحدث وزير الدفاع الباكستاني خواجة آصف عن دعم (عملي ودبلوماسي) إذا تصاعدت الأزمة.
أما تركيا، فقد انتقلت في التاسع عشر من أيلول/سبتمبر إلى مستوى أكثر وضوحاً، إذ قال وزير خارجيتها هاكان فيدان إن أنقرة مستعدة للمساعدة في تلبية الاحتياجات العسكرية السعودية في إطار اتفاق الدفاع المشترك الثلاثي مع السعودية وباكستان.
وهنا تظهر أهمية الاتفاق الدفاعي الذي جمع الدول الثلاث، فالمسألة لم تعد مجرد بيانات تضامن، وإنما محاولة لبناء شبكة أمن إقليمية تستطيع الدول من خلالها توزيع أعباء الدفاع، بدلاً من الاعتماد على مظلة واحدة.
لكن من الخطأ أيضاً النظر إلى هذه التطورات وكأنها تعني نشوء تحالف عسكري جديد مكتمل الأركان، فما زالت مواقف الدول مختلفة، وما زالت الحسابات السياسية والاقتصادية لكل دولة حاضرة بقوة، كما أن دخول أي طرف في مواجهة مباشرة يحمل مخاطر كبيرة.
ومن هنا تأتي أهمية السياسة الأميركية الحالية.
فواشنطن تضغط على إيران، وتحافظ على حضورها العسكري، وتراقب أمن هرمز والبحر الأحمر، لكنها في الوقت نفسه تترك مساحة للحلفاء الإقليميين لكي يتحملوا جانباً أكبر من مواجهة التهديدات القريبة منهم، وهذا ما عبر عنه مسؤول أميركي في سياق السياسة تجاه الحوثيين، عندما قال إن واشنطن تركز على مصالحها الأساسية، مثل حرية الملاحة، بينما تمنح شركاءها الإقليميين دوراً أكبر في إدارة التحديات الأمنية الإقليمية.
لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو:
إلى أي مدى تستطيع واشنطن الاستمرار في الإمساك بالعصا من المنتصف؟
فالحرب عندما تتوسع لا تحترم دائماً الحدود التي يرسمها صانع القرار، وإذا أصبح البحر الأحمر ومضيق باب المندب ومضيق هرمز ساحات متزامنة للتصعيد، فإن المصالح الأميركية نفسها قد تفرض على واشنطن خيارات أكثر صعوبة.
ومن جهة أخرى، فإن الدول الخليجية تبدو أمام لحظة استراتيجية تستدعي إعادة تعريف مفهوم الأمن، لا بالضرورة عبر التخلي عن الولايات المتحدة، وإنما عبر
تنويع الشراكات وبناء قدرات ذاتية وإقليمية أكبر.
وهنا يمكن للحرب التي بدأت تحت عنوان مواجهة إيران قد تدفع إلى إعادة ترتيب موازين القوى في المنطقة كلها، من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن السعودية وتركيا وباكستان إلى اليمن.
لهذا فإن المشهد الراهن لا ينبغي قراءته فقط من زاوية من يطلق الصواريخ ومن يرد عليها، بل من زاوية أعمق:
من يمتلك قرار الحرب؟
ومن يتحمل تكلفتها؟
ومن يعيد بناء منظومة الأمن الإقليمي بعد أن اهتزت قواعدها القديمة؟
وفي هذه اللحظة تحديداً، تبدو واشنطن حريصة على ألا تنكسر العصا في يدها، وألا تضطر في الوقت نفسه إلى استخدامها بأقصى قوتها.
إنها تمسك العصا من المنتصف.. لكن تصاعد النار في المنطقة قد يجبرها في النهاية على اختيار أحد طرفيها.