من الخوف إلى الصوت العالي: كيف يتعلم السوريون الديمقراطية بعد نصف قرن من الصمت؟

0 80

حوار خاص مع المهندس والبرلماني السابق جمال قارصلي

بعد أكثر من عام ونصف على التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، عاد الشارع إلى الواجهة عبر اعتصامات واحتجاجات ومطالب متزايدة في أكثر من منطقة. لكن السؤال الذي يطرحه المهندس جمال قارصلي لا يتعلق فقط بسبب الاحتجاجات أو بمطالبها، بل بما هو أعمق من ذلك: كيف يتعلم مجتمع عاش عقوداً طويلة تحت الخوف ممارسة الحرية؟

من ألمانيا، حيث يقيم منذ سبعة وأربعين عاماً، يتحدث البرلماني السابق بنبرة تجمع بين التفاؤل والحذر، وبين ذاكرة الثورة وإيمان طويل بفكرة الديمقراطية.

يقول قارصلي:

“نحن السوريين في الخارج نتمنى أن نستطيع خدمة بلدنا. قدمنا الكثير للثورة السورية، وأول شهيد في منبج كان ابن أخي عمر قارصلي. منذ اليوم الأول كنت مع الثورة وما زلت أؤمن أن أمام سوريا فرصة كبيرة لا يجوز أن تضيع.”

ويضيف:

“أنا من الناس المتفائلين. لدينا فرصة حقيقية، لكن علينا أن نعمل من أجلها وأن نصبر. بعض الناس يريدون أن تتحول سوريا بين عشية وضحاها إلى دولة مثل سويسرا، وهذا أمر غير واقعي.”

الديمقراطية لا تُقرأ… بل تُمارس:

يرى قارصلي أن التحدي الأكبر لا يتعلق ببناء المؤسسات فقط، بل ببناء الثقافة التي تسمح لهذه المؤسسات بالعمل.

ويقول:

“موضوع الديمقراطية هو موضوع تربية. يبدأ من البيت ومن المدرسة ومن تفاصيل الحياة اليومية. الديمقراطية لا تُقرأ في الكتب ولا تُتعلم من المحاضرات فقط، بل بالممارسة والتدريب.”

ويتابع:

“نحن خارجون من عقود طويلة من الاستبداد، ولذلك من الطبيعي أن نحتاج إلى وقت حتى نتعلم إدارة الخلاف والتعبير عن الرأي وقبول الرأي الآخر.”

وبالنسبة له، فإن ما يجري اليوم في الشارع السوري لا يجب أن يُقرأ باعتباره أزمة بقدر ما هو جزء من عملية التعلم السياسي التي يمر بها المجتمع.

الاحتجاج علامة صحة لا علامة مرض:

لا يخفي قارصلي دعمه الواضح لحق التظاهر، مستنداً إلى تجربته الطويلة في ألمانيا.

ويقول:

“حق التظاهر حق مشروع، وهو من أهم دعائم الديمقراطية. في ألمانيا يحمي الدستور هذا الحق بشكل واضح، وأعتبر أن وجود متظاهرين يرفعون أصواتهم هو دليل على أن المجتمع حي وصحي.”

ويضيف:

“المشكلة ليست في وجود الاحتجاجات، بل في غياب بعض المؤسسات الأساسية التي يفترض أن تستوعب هذه المطالب.”

ويشرح أن سوريا ما زالت تعيش مرحلة انتقالية لم تكتمل فيها صورة الدولة بعد.

“لا يوجد حتى الآن برلمان منتخب، ولا قانون أحزاب متكامل، ولا نقابات مستقلة بالشكل المطلوب. هذا الفراغ يجعل الشارع يؤدي أحياناً أدواراً كان يفترض أن تقوم بها المؤسسات.”

من البرلمان إلى النقابات… الحلقة المفقودة:

بحسب قارصلي، فإن بناء الديمقراطية لا يقتصر على حماية حق التظاهر، بل يتطلب إنشاء قنوات تمثيل دائمة.

ويقول:

“نحتاج إلى مجلس شعب حقيقي، وإلى قانون أحزاب حديث، وإلى نقابات ومنظمات مجتمع مدني قادرة على نقل مطالب الناس إلى مراكز القرار.”

ويضيف:

“حتى في الدول الديمقراطية التي تمتلك برلمانات وأحزاباً ونقابات قوية، تستمر المظاهرات. لكن الفرق أن هناك مؤسسات تستقبل هذه المطالب وتحولها إلى سياسات عامة.”

ويرى أن الإعلام أيضاً جزء من هذه المنظومة.

“الإعلام مسؤول عن نقل مشاكل الناس وآلامهم بصورة صحيحة، وعن إيصال أصواتهم إلى المسؤولين.”

ماذا تعلم من التجربة الألمانية؟

يتحدث قارصلي مطولاً عن التجربة الألمانية في تنظيم الاحتجاجات، موضحاً أن حماية الحق لا تعني غياب التنظيم.

ويقول:

“في ألمانيا يتم الإبلاغ عن المظاهرة مسبقاً، ويُحدد موضوعها ومسارها وعدد المشاركين فيها، وتقوم الشرطة بحمايتها وتأمينها.”

ويضيف:

“من حق المتظاهر أن يرفع الشعارات واللافتات وأن يقول رأيه بحرية كاملة، لكن عليه أيضاً واجبات؛ أهمها الالتزام بالسلمية وعدم الإضرار بالآخرين أو مخالفة القانون.”

ويؤكد أن العلاقة بين الدولة والمتظاهرين لا تقوم على المواجهة، بل على حماية الحق وتنظيمه.

سوريا تحتاج إلى الوقت:

ورغم دعمه الواضح لحق الاحتجاج، يدعو قارصلي إلى النظر بواقعية إلى طبيعة المرحلة الحالية.

ويقول:

“نحن ما زلنا في مرحلة انتقالية. هناك مؤسسات لم تكتمل بعد، وقوانين لم تُنجز بعد، وأمور كثيرة يجري تأسيسها وإصلاحها.”

ويضيف:

“حق التظاهر سيبقى دائماً، والناس ستبقى ترفع صوتها، لكننا نحتاج أيضاً إلى الصبر حتى تكتمل صورة الدولة الجديدة.”

ويرى أن الاحتجاج في النهاية ليس تهديداً للاستقرار إذا جرى ضمن القانون.

“عندما يلتزم الجميع بالقانون، وتُحترم حقوق المتظاهرين وتُؤدى واجباتهم، يصبح التظاهر أمراً صحياً لأي مجتمع ديمقراطي.”

بين ذاكرة الخوف ومستقبل المشاركة:

بعد أكثر من نصف قرن من حكم صادر السياسة من المجتمع، يبدو السوريون اليوم أمام تجربة جديدة بالكامل: تعلم الحرية بعد زمن طويل من الصمت.

وفي قراءة جمال قارصلي، لا يكمن التحدي الحقيقي في كثرة الاحتجاجات أو قلتها، بل في قدرة السوريين على تحويل الحرية التي استعادوها إلى ثقافة يومية ومؤسسات مستقرة.

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام سوريا الجديدة: هل ينجح مجتمع خرج من الخوف إلى رفع صوته في أن يحوّل هذا الصوت إلى ممارسة ديمقراطية راسخة، أم أن الطريق ما زال في بدايته الطويلة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني