كُتّابٌ شباب من جيل الصمت!

0 44

تتداخل العوامل التي أثَّرت على الجيل الصاعد من الكتاب الشباب السوري الذي نشأ في ظل أحداث الثورة السورية، تحديداً داخل أراضي النظام البائد.

سنحاول في هذا المقال القيام بجولة سريعة على أهم العوامل التي أثرت سلباً على هذا الجيل، عسانا نتلمس إلى أي مدى نستطيع التعويل عليه، خاصة أنه من المفترض به أن يكون من الأجيال التي توثق للثورة السورية وما واجهته بعمق وزخم.

أثرُ عصر السرعة على الكتّاب الشباب أكبر مما نتصور، ذلك أن وتيرة التسارع في نمو سماته أكبر من وتيرة التسارع في نمو سمات أي عصرٍ آخر.

إن الهواتف الجوالة نافذ لصيقة بالأجيال الصاعدة، حيث لا تكاد تصعد عيونهم مُفارقةً إياها في أيام العُطل التي لا يوجد فيها أي واجبات تقتضي أن يبتعدوا عنها مُكرهين. من مساوئ تلك النافذة أنها كنافذة السيارة، تَمرُّ الأشياء عبرها بسرعة فلا تفاصيل ولا تَعمّق، نحن نشاهد كل شيء ولسنا نشاهد شيئاً في آنٍ معاً. فالشجرة حين نكون داخل سيارة مسرعة هي مجردة شجرة لمحناها، لم نتأمل أزهارها أو ثمارها أو أنوع الطيور والكائنات التي تسكنها أو حتى شكل أوراقها، أي أننا في عصر ثقافة العناوين ورؤوس الأقلام، وكذلك حال النصوص الأدبيّة التي يكتبها كثيرٌ من الشبان والشابات، خواطر تُهيمن عليها العاطفة، لا تُعبِّرُ عن مواقف أو عن منظورٍ ما، أو رؤية ما، لا طعم لها ولا لون، وهي في معظم الأحيان لُعبة لغويّة مُتكلِّفة في الصور والتشابيه و”التخييل” عموماً، لُعبة لشخص مُنفعلٍ عاطفيّاً يَحسبُ أنه قادرٌ عَبر نصِّهِ أن ينقل عاطفته لسواه بمجرد استخدام الصور والتشابيه وبعض المُحسنات البديعيّة، غافلٌ عن حقيقة الكتابة الأدبيّة.

إن النمطيّة تُهيمن على كتابات الشابات تحديداً، بحيث تكاد تشعر بأن جميع النصوص لذات الكاتبة! ويمكن اختصار ثمانين بالمئة منها بموضوع “علاقة الحُب الفاشلة” ويمكن للدارس في المنحى السوسيولوجي أن يجد إشارات هامة فيما يكتبه الشبان الصغار مواليد عام 2003 و2004 ومن يصغرهم، على تقلّص التواصل الأُسري وانصراف الأهل إلى دور الرعاية (تأمين المأكل والملبس والمسكن.. إلى آخره) حيث هناك جهل واضح بالمناحي الحياتيّة كافةً، جهل يُغيبه تساهل الأهل و”الدلال في بعده المعنوي” والدعم المعنوي الأجوف وغير المشروط على اعتبار أن هؤلاء الشبان والشابات نشأوا وسط مخاطر وظروف صعبة بسبب الحرب.

هذا الجيل باختصار لديه أزمة مرجعيات، فالكل كان مُتهماً بالدم والوحشية عبر وسائل الإعلام المختلفة والأهل مشغولون في تأمين ضرورات الحياة المادية، وهناك قطيعة بحكم الظروف مع التلفاز وانصراف إلى السوشال ميديا المُنفلتة التي تجسد عالم السخافة والفوضى وحتى الصفحات العلميّة فيها تعتمد مبدأ “من كل وادٍ عصا” كي تجذب أكبر عددٍ ممكن من المتابعينٍ ولا تصلح كمرجعيّة علميّة، ما لم تكن امتداداً لمؤسسات علمية حقيقية.

بينما الأكثر جدوى في زماننا هو العملية الإبداعية المُركَّبة، ولسنا نقصد هنا التعقيد والغموض، بل يمكن أن يكون النص الأدبي في باب السهل المُمتنع، فكما يقول الأديب غسان كنفاني: ليس كل ما هو عميق، معقد، وليس كل ما هو بسيط، ساذج.

إن الاستسهال وسرعة نشر النصوص عبر السوشال ميديا وعدم اكتراث كثير من الأجيال الصاعدة للإرشاد والإشراف المؤسساتي بسبب وجود هوّة بين الأجيال، كل هذا سيجعل فضاءات النشر المفتوحة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، باباً لتشويش مفاهيم الإبداع والإبداع الأدبي تحديداً، ومع أن الأجيال الصاعدة التي عاشت حقبة المحاظير والخوف، بما أنها بسبب الخوف شبه منسحبة من الحياة الاجتماعية تحت سطوة مغناطيس تلك النافذة الصغيرة المُسماة هواتف محمولة، وبالتالي هي لا تمارس الحوار والنقاش وتُبدي الآراء مثل أجيال ما قبل التكنولوجيا الذكيّة، إلا أن أعداد الشابات والشباب الذين يقبلون على الكتابة والنشر لما يحسبونه نصوصاً أدبية، هي أعدادٌ ليست بقليلة.

جيلٌ قلّما يتحدث وعندما يرسل رسائل مكتوبة أو صوتية تكون رسائله مقتضبة وكلماته قليلة جداً، ونصوصه كذلك، ولا ضير في هذا إن كان من قبيل البلاغة والتكثيف، بحيث يكون النص الأدبي كإبرة في العَصب، لكن مع الأسف قِصَرُ نصوص كثير منهم نابعٌ من سطحية وخواء ثقافي وفكري.

إن حصيلة ما سبق اتساع للهوّة بين الأجيال، وأنا عزيزي القارئ عمري 38 عاماً وأشعر بهوّة بيني وبين مواليد عام 2000 م ومن يصغرهم سنَّاً، فما بالكم بالهوّة مع الأجيال الأكبر من الكتّاب والقرّاء!

كي لا يكون هذا المقال مدعاة للتشاؤم إلى حدٍّ كبير ومن قبيل تحفيز الذين استطاعوا تجاوز عيوب كُتّاب جيلهم، سأورد نصوصاً من ذلك النمط القصير الذي يفضلونه، لكنها مُعبِّرة وموفقة.

بقلم الشابة نور الله صالح 22 عاماً:

(عهد المستظرفين)

ذئبك يا ليلى قرأ كتاباً وارتدى بزّةً رسميّة.. والجماهيرُ تصفّق له لتناوله بالشوكةِ لحوماً بشرية.

(صفعة الخيبة)

كان حلمي أن أكون قائد طائرة لأمدّ حبلاً من الأعلى أشاكس به أطفال الحي.. الآن حبل حلمي مشنقة خيبتي الدائمة.

(مَن يُمسِكُها)

وعدني بأنّه لن يُفلت يدي.. وعندما تخللت البرودةُ أصابعي.. أدركتُ أن خيبةً أخرى أمسكت بها!

الشابة تسنيم الديراني 16 عاماً:

اصطحبني وإيّاهُ للسيرِ ليلاً في شارعٍ طويل، كِدتُ أطيرُ كالفراشةِ فرحاً، ثمّ أهداني وردة، فحضنتها في راحةِ كفّي كطفلٍ رضيع، وعندما وصلنا إلى نهايةِ الشّارع، وضعها على قبري.

****

أخبرَني ذاتَ يوم بأنّهُ يعشقُ الشَّعرَ الطويل، وعنِدما بتُّ (رُبانزِل)، كانت أصابعهُ مِقصّاً.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني