قوس النصر في اللاذقية.. شاهدٌ تاريخي يروي ذاكرة مدينة متوسطية

0 36

في قلب حيّ الصليبة العريق في مدينة اللاذقية، يقف قوس النصر شامخاً منذ ما يقارب ألفي عام، كأنّه حجرٌ ينهض من الزمن ليحكي قصة مدينةٍ كانت يوماً جزءاً من العالم الروماني المتوسطي. هذا المعلم ليس مجرد بناء أثري، بل وثيقة تاريخية حيّة تكشف تحولات سياسية وعمرانية وثقافية مرّت بها اللاذقية عبر القرون.

شُيّد القوس في أواخر القرن الثاني الميلادي خلال عهد الإمبراطور الروماني سبتيميوس سيفيروس، في سياق صراع سياسي محتدم داخل الإمبراطورية. فبعد وفاة الإمبراطور كومودوس، اندلعت حرب أهلية بين عدد من القادة العسكريين، كان أبرزهم سيفيروس وخصمه غايوس بيسكينيوس نيجر. وقفت اللاذقية إلى جانب سيفيروس، فاختار أن يخلّد هذا الدعم ببناء معلمٍ عمراني يحمل رمزية النصر والولاء السياسي. وهكذا أصبح القوس شاهداً على لحظة تاريخية مفصلية تُظهر الدور الذي لعبته المدن السورية في رسم ملامح السلطة الرومانية.

يتخذ القوس شكل بناء رباعي الفتحات يُعرف معمارياً باسم التترابورتكوس، وهو نموذج شائع في المدن الرومانية الكبرى، يُقام عادةً عند تقاطع شارعين رئيسيين ليشكّل نقطة مركزية في حركة المدينة. هذا النموذج يعكس فلسفة عمرانية رومانية دقيقة، تقوم على تنظيم الشوارع وفق شبكة مستقيمة، وعلى إبراز حضور الدولة في الفضاء العام عبر معالم حجرية تحمل رموز السلطة. وبذلك، يصبح القوس جزءاً من لغة عمرانية تُظهر قوة الإمبراطورية وتؤكد ارتباط المدينة بهويتها الرومانية.

تزيّن واجهات القوس نقوش نافرة تمثل شارات النصر، السيوف، التروس، الخوذ والرماح، وهي عناصر ليست مجرد زخارف، بل رسائل سياسية موجّهة إلى سكان المدينة. فهذه الرموز كانت تؤكد انتصار سيفيروس، وتُعيد إنتاج صورة السلطة في الوعي الجمعي، وتربط المدينة بالهوية العسكرية الرومانية التي كانت جزءاً أساسياً من بنية الحكم آنذاك.

ورغم الزلازل التي ضربت الساحل السوري عبر التاريخ، بقي القوس قائماً، بينما اندثرت أجزاء واسعة من الأبنية الرومانية الأخرى. هذا الصمود يكشف متانة البناء الروماني وتقنيات العمارة الحجرية التي اعتمدت على دقة النحت وصلابة الحجارة الكلسية. كما يعكس قدرة الأثر على النجاة من التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها اللاذقية، ليبقى شاهداً على تاريخها القديم.

اليوم، يعيش القوس وسط المدينة الحديثة، بين حركة السير والمحال التجارية والمباني السكنية، لكنه يظلّ يحمل في داخله صوتاً قادماً من زمنٍ بعيد. إنه حجرٌ يروي قصة مدينةٍ كانت يوماً ميناءً مهماً على المتوسط، وفضاءً سياسياً وثقافياً مؤثراً في العالم الروماني. 

إن قراءة قوس النصر قراءة تاريخية ليست مجرد استعادة لماضٍ بعيد، بل هي محاولة لفهم هوية اللاذقية، وربط حاضرها بتاريخ يمتدّ إلى ألفي عام، حيث يظلّ القوس شاهداً على ذاكرة مدينة لا تزال تحتفظ بروحها رغم كل التحولات.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني