سوريا ومصر وإعادة بناء التوازن العربي بين التحفظات الأمنية ومنطق المصالح الاستراتيجية

0 40

تشهد العلاقات السورية المصرية مرحلة إعادة تموضع دقيقة داخل سياق إقليمي واسع يعاد تشكيله من جديد، حيث لم تعد العلاقات بين الدول تُدار فقط بمنطق التحالفات التقليدية، بل وفق حسابات أكثر تعقيداً ترتبط بالأمن القومي، وتوازنات الردع، والفراغات الجيوسياسية الناشئة في المشرق العربي، وفي هذا الإطار، تتعامل القاهرة مع الملف السوري بمقاربة “الحياد الحذر”، وهي مقاربة تعكس تراكمات تاريخية مرتبطة بتجارب مصر مع الإسلام السياسي، إضافة إلى مخاوف مؤسسات الدولة من أي تحولات إقليمية غير مكتملة قد تنعكس على الداخل المصري أو على بيئته الأمنية الإقليمية.

غير أن هذا الحذر، رغم وجاهته من زاوية الأمن القومي، يفتح الباب أمام سؤال استراتيجي أعمق: هل يمكن للسياسات الاحترازية وحدها أن تدير مرحلة إعادة تشكيل الشرق الأوسط؟ أم أن منطق المصالح المشتركة يفرض نفسه تدريجياً كخيار أكثر واقعية واستدامة؟

في هذا السياق يمكن قراءة المشهد عبر سيناريوهين رئيسيين، السيناريو الأول يقوم على فرضية أن التحفظ المصري تجاه دمشق مرتبط أساساً بالخلفية السياسية والأيديولوجية للمرحلة السورية الجديدة، وهي خلفية تُقرأ في القاهرة من خلال ذاكرة طويلة من المواجهة مع جماعات الإسلام السياسي هذا التصور، رغم أنه مفهوم من منظور أمني داخلي، إلا أنه يتجاهل التحول البنيوي في سلوك الدولة السورية نفسها.

والتجارب التاريخية تشير إلى أن القوى التي تصل إلى السلطة غالباً ما تخضع لمنطق الدولة ومقتضياتها أكثر مما تخضع لمنطلقاتها الأيديولوجية السابقة، ومن هذا المنظور تبدو الإدارة السورية الجديدة أقرب إلى الواقعية السياسية التي باتت تركز على إعادة بناء المؤسسات واستعادة الاستقرار وإدارة المصالح الوطنية أكثر من تبني مشاريع أيديولوجية عابرة للحدود، وبالتالي فإن استمرار التعامل مع سوريا من زاوية “التحفظ المسبق” قد يؤدي إلى تفويت فرصة استراتيجية للطرفين في محيطهما العربي بطريقة منظمة ومضبوطة.

أما السيناريو الثاني فيرتبط بالبُعد الإقليمي الأوسع، حيث لا يمكن فصل مسار العلاقات السورية المصرية عن محاولات إعادة تشكيل ميزان القوى في المشرق، بما في ذلك الأدوار الإسرائيلية والأميركية في هندسة البيئة الأمنية للمنطقة، في هذا السياق، يصبح أي تقارب عربي–سوري–مصري عاملاً مقلقاً للقوى التي تفضل استمرار حالة السيولة الاستراتيجية في المنطقة، وهو ما يفسر حساسية بعض الأطراف تجاه أي مسار يؤدي إلى إعادة تشكل محور عربي متماسك، ومع ذلك، فإن هذه الحساسية نفسها تعكس أهمية هذا التقارب، لا خطورته فقط.

من منظور المصالح السورية المباشرة، فإن العلاقة مع مصر ليست خياراً ثانوياً، بل هي ركيزة في مشروع إعادة تموضع الدولة السورية داخل النظام العربي الإسلامي، فمصر تمثل الثقل السكاني والمؤسساتي الأكبر في العالم العربي، بينما تمثل سوريا العقدة الجغرافية التي تربط المشرق بتركيا وشرق المتوسط والخليج، وعندما تنفصل هذه الجغرافيا السياسية عن بعضها، يتسع الفراغ الاستراتيجي في المنطقة، أما عندما تتقارب، فإنها تنتج قدرة أعلى على ضبط التوازن الإقليمي ومنع الانزلاق نحو الفوضى.

ومن زاوية اقتصادية مباشرة، فإن أي تقارب سوري مصري قابل للتحول إلى منصة تعاون إقليمي واسعة، إذ تشير تقديرات نمطية في دراسات الربط الإقليمي إلى أن تفعيل ممر لوجستي بين الموانئ المصرية والسورية عبر شرق المتوسط، وربطه بالأسواق الخليجية والأناضولية، يمكن أن يرفع حجم التبادل التجاري غير المباشر في المشرق بنسبة قد تتراوح بين 20% و35% خلال خمس سنوات، عبر تقليل كلفة النقل، وتوسيع مسارات الترانزيت، وإعادة تشغيل خطوط الطاقة الإقليمية مستقبلاً، كما يمكن أن يشكل التعاون في قطاعات إعادة الإعمار والطاقة والبنية التحتية مجالاً اقتصادياً مشتركاً يتجاوز منطق التبادل الثنائي إلى منطق التكامل الإقليمي.

تاريخياً، لم تكن العلاقات السورية المصرية مجرد علاقات دبلوماسية، بل شكلت في لحظات مفصلية من تاريخ المنطقة محوراً مركزياً لإعادة تعريف التوازن العربي، كما في تجربة الوحدة بين البلدين في أواخر الخمسينيات، أو في التنسيق الاستراتيجي خلال حرب أكتوبر 1973، حين لعب التكامل بين الجغرافيا السورية والثقل المصري دوراً حاسماً في إعادة تشكيل ميزان الردع الإقليمي آنذاك، هذه السوابق التاريخية لا تُقرأ اليوم كحنين سياسي، بل كمؤشر على أن التكامل بين الطرفين كان دائماً عامل إنتاج للتوازن، لا للاصطفاف الضيق.

خلال السنوات الخمس المقبلة، يمكن تصور أن أي مسار متدرج للتقارب السوري المصري سيؤدي إلى ثلاث نتائج استراتيجية محتملة: أولاً، تقليص مساحات الفراغ الجيوسياسي في المشرق، وثانياً، تعزيز قدرة الدولتين على التفاوض الإقليمي في ملفات الطاقة والأمن واللاجئين، وثالثاً، إعادة إدماج سوريا تدريجياً في النظام العربي بطريقة تمنع عزلها أو تحويلها إلى ساحة تنافس مفتوح، وفي المقابل، فإن استمرار التباعد سيُبقي المنطقة في حالة سيولة استراتيجية عالية الكلفة على جميع الأطراف.

وفي المحصلة، يمكن القول إن العلاقة بين القاهرة ودمشق لم تعد ترفاً سياسياً أو خياراً دبلوماسياً قابلاً للتأجيل، بل أصبحت جزءاً من معادلة التوازن الإقليمي في الشرق الأوسط، فإما أن يتم تنظيم هذا التقارب ضمن رؤية عربية واعية، أو يُترك ليتشكل تحت ضغط الفراغات الإقليمية وموازين القوى الخارجية، والخلاصة الحاسمة هنا التي أريد أن أطرحها هي أن مستقبل التوازن العربي خلال العقد القادم لن يُرسم من خلال قوة دولة واحدة، بل من خلال قدرة الدول المحورية، وفي مقدمتها مصر وسوريا، على تحويل الجغرافيا من عامل فصل إلى عامل وصل، ومن مصدر صراع إلى بنية استقرار.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني