سوريا الجديدة.. تجفيف فساد نظام الإبادة الأسدي ضرورة للعهد الجديد

0 16

مقدمة

مع سقوط نظام الأسد في كانون الاول 2024، فُتحت نافذة أمل أمام السوريين بإعادة بناء دولة القانون والمؤسسات. لكن التحوّل السياسي لا يعني تلقائياً تحولاً اقتصادياً، فالفساد ليس مجرد سلوك فردي يمكن اجتثاثه بقرار، بل هو نظام هيكلي متراكم، يعيد إنتاج نفسه عبر آليات جديدة. والسؤال: ألا يجب على الحكومة الانتقالية منع إعادة إنتاج الفساد لنفسه، وذلك عبر تجفيفه من مؤسسات الدولة؟ هذا المقال تحليلي يناقش: منع وجود شللية، وغياب الآليات، وانعدام الشفافية.

أولاً: معنى الشللية

الشللية في السياق السوري ليست مجرد تجمع صداقات، بل هي نظام متكامل لتوزيع الثروة والسلطة خارج الأطر القانونية. ومن الطبيعي تنبيه الإدارة الجديدة للقيام بمنع إنتاج نموذج المحسوبية المؤسساتية من خلال أنماط عدة:

أن يقوم العهد الجديد بتوزيع المناصب الحساسة على أساس الكفاءة وليس على أساس المحسوبية بكل أنواعها. لأن المحسوبية تقود إلى تحويل قليلي الخبرة إلى حرّاس بوابة، يتحكمون في تدفق المعلومات والتراخيص، ما يكرس احتكاراً للقرار الاقتصادي.

إن إشارتنا إلى ذلك سيجنّب سوريا الوقوع في فخ الفساد في مراحل التغيير القاسية، فالتاريخ مليء بالتجارب المأساوية، مثال ذلك

– روسيا بعد الاتحاد السوفييتي: أدت خصخصة الشركات الحكومية إلى ظهور طبقة أوليغارشية استولت على الثروة الوطنية عبر علاقاتها بالكرملين، وهو ما يُعرف بـالاستيلاء المؤسسي.

– العراق بعد 2003: أعادت المحاصصة الطائفية توزيع مناقصات النفط وإعادة الإعمار على أحزاب وميليشيات، ما أنتج فساداً منظماً وريعاً سياسياً.

– لبنان ما بعد الطائف: تحولت الدولة إلى شركة عائلية مشتركة، يقسم الزعماء فيها المرافق والتراخيص كإقطاعيات خاصة.

استمرارية رجال الأعمال القدامى

المفارقة الأكثر إثارة للقلق هي استمرار نفوذ شخصيات مرتبطة بالنظام السابق في المشهد الاقتصادي. في حين تبّرر الإدارة كل ما سبق بأن الهدف منه إبعاد الشبيحة، لكن الواقع يشير إلى تسويات مالية مع كبار التجار القدامى تسمح لهم بالاحتفاظ بغالبية ثرواتهم ومغادرة البلاد دون محاسبة. هذا يعطي انطباعاً بأن التغيير في القمة لم يصحبه تغيير في هيكل النفوذ، بل مجرد إعادة توزيعه.

ثانياً: الفوضى كأداة

غياب القواعد الإجرائية الواضحة ليس تقصيراً تنظيمياً، بل أداة فعّالة للفساد، إذ أن الغموض يمنح القرار طابعاً اجتهادياً يصعب تتبعه.

قانون الاستثمار الجديد

صدر قانون استثمار جديد يمنح إعفاءات ضريبية وجمركية دائمة دون سقف زمني. هذا النوع من الحوافز المفتوحة، كما يرى محللون، يعكس نموذجاً مركزياً في منح التراخيص، حيث تبقى صلاحية تحديد المستفيدين بيد هيئة مرتبطة بالرئاسة. تحذيرات قانونية تشير إلى أن هذا يكرّس نظام الوصول بالواسطة إلى السوق، حيث يصبح القرب من السلطة شرطاً للاستثمار، بدلاً من الكفاءة.

غياب المرجعيات الرقابية

يعمل الاقتصاد اليوم بآليات هجينة: مؤسسات رسمية إلى جانب لجان موازية غير معلنة تتمتع بصلاحيات مطلقة. هذا التضارب يخلق حالة لا مركزية فوضوية: المستثمر لا يعرف أي جهة تمنح الموافقة النهائية.

ثالثاً: السرّ كسياسة

الشفافية ليست ترفاً، بل هي الضمانة الوحيدة لتحويل الاقتصاد إلى سوق تنافسي. لكن الممارسات الحالية تشير إلى غير ذلك.

غياب النقاش العام

تُدار خطط إعادة الإعمار عبر قرارات تصدرها دوائر مغلقة، دون مشاورات عامة. مثال ذلك مشروع شارع النصر في حمص، أُعلن عنه دون استشارة الأهالي، ما أثار احتجاجات محلية واضطر الشركة المطورة إلى التراجع. هذا يُظهر أن الاستثمار الموجه من الأعلى يصطدم بحقوق الملكية والعدالة الاجتماعية، ويعيد إنتاج نموذج المشاريع الرمزية التي كانت سمة عهد سابق.

الصندوق السيادي

السوريون عرفوا بوجود صندوق سيادي، لكنهم يجهلون أهميته ودوره في الإشراف على أصول الدولة، ولماذا لا يكون خاضعاً للحكومة، أليس ذلك يقود إلى افتقاد آليات المساءلة؟ ولماذا يمنح الصندوق صلاحيات مطلقة دون رقابة نيابية أو قضائية، ما يجعله أداة مثالية للهندسة المالية الموازية.

نحو مخرج

الإدارة الجديدة أمام خيارين:

البقاء على الموروث: إعادة إنتاج النموذج القديم بأسماء جديدة، مع تغيير الشعارات فقط، ما يعني استمرار هدر الثروة الوطنية وتعزيز الاحتكارات.

الاختراق المؤسسي: فتح ملفات الفساد السابقة كدليل جدية، وإطلاق منصة رقمية شاملة للعقود والموازنات، وإنشاء هيئة نزاهة مستقلة بصلاحيات حقيقية، وإصلاح قانون الاستثمار بإضافة سقف زمني للحوافز وربطها بمعايير أداء.

لن تُبنى سوريا الجديدة على الثقة العمياء، بل على مؤسسات قوية، وقوانين واضحة، وشفافية جارحة تمنع أي فريق من احتكار قرار الشعب. التحول الاقتصادي ليس بأسهل من التحول السياسي، لكنه الطريق الوحيد لضمان ألا تكون سوريا الجديدة مجرد استنساخ لسوريا القديمة.

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني