دير الزور: الفجوة التي تغيّر شكلها ولم تختفِ

0 21

قد يبدو أن عودة مؤسسات الدولة إلى دير الزور تطرح سؤالا طبيعيا عن مستقبل المجتمع المدني: ما الحاجة إلى المنظمات بعدما انتهت المرحلة التي اضطرت فيها إلى أداء وظائف كان يُفترض أن تقوم بها الدولة؟

غير أن هذا السؤال ينطلق من فرضية تحتاج إلى المراجعة؛ فما انتهى ليس الحاجة إلى المجتمع المدني، بل شكل الفجوة التي كان يسدها.

بعد عام 2011، ومع غياب سلطة شرعية مسؤولة عن تقديم الخدمات في مناطق واسعة، وجد المجتمع المدني نفسه أمام فجوة وفراغ لم يختره. فانتقل من المناصرة والتوثيق والعمل المجتمعي إلى التعليم والصحة والمياه والإغاثة والحماية وسبل العيش، وأدى، في أحيان كثيرة، وظائف يُفترض في الظروف الطبيعية أن تضطلع بها المؤسسات العامة.

لم يكن ذلك وضعا طبيعيا، ولا ينبغي أن يستمر. فالدولة هي المسؤولة عن المدرسة والمشفى والطريق والمياه والخدمات العامة، وليس مطلوبا من المجتمع المدني أن يتحول إلى دولة موازية.

لكن سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، ثم التحولات التي شهدتها دير الزور مطلع 2026، لم يُلغيا الفجوة؛ بل نقلاها من مكان إلى آخر. بالأمس كان المجتمع المدني يسد فراغ غياب الدولة، واليوم بات عليه أن يساعد في تجسير المسافة بين الدولة والمواطن.

وقد تكون هذه المهمة أصعب من تقديم الخدمات؛ فأربعة عشر عاما من الحرب والانقسام لم تدمر البنية التحتية وحدها، بل أضعفت الثقة أيضا، وعمقت الانقسامات، وخلّفت تجارب ومظالم ومخاوف متباينة بين المجتمعات المحلية.

يمكن إعادة بناء مدرسة أو طريق خلال أشهر، أما إعادة بناء الثقة بين المواطن والمؤسسة العامة، وبين المجتمعات التي فرقتها الحرب، فتحتاج إلى زمن ومساحات حرة وامنة للحوار والمشاركة.

هنا تتغير وظيفة المجتمع المدني من جديد: أن ينقل احتياجات الناس إلى مؤسسات القرار، ويراقب الأداء، ويقترح البدائل، ويوسع المشاركة العامة، ويسهم في بناء السلام والتماسك المجتمعي، ويردم الهوة بين مجتمعات محلية عاشت سنوات طويلة تحت سلطات مختلفة وفي ظروف متباينة.

وهذا الدور ليس تصورا نظريا أو مستوردا نبحث له اليوم عن مكان في دير الزور؛ فقد مارسته منظمات محلية خلال سنوات الصراع، وراكمت خبرة في الوساطة بين المجتمعات وسلطات الأمر الواقع، وتنظيم حوارات حول الأمن والحوكمة وبناء السلام والتماسك المجتمعي والخدمات والاقتصاد والمشاركة في إدارة الشأن العام. وفي شباط الماضي، عادت الفكرة نفسها إلى الظهور في لقاء جمع قيادة الأمن الداخلي بفعاليات محلية، طُرحت فيه صراحة مسألة تعزيز الثقة و«ردم الفجوة» بين المؤسسة والمجتمع والاستماع إلى مطالب الأهالي. غير أن التحدي اليوم يتجاوز عقد اللقاءات إلى مأسسة هذا الدور: الانتقال من وساطة فرضتها ظروف الحرب ومبادرات تفرضها الحاجة، إلى مشاركة مستقرة تتيح للمجتمع الإسهام في تحديد الأولويات وصناعة القرار.

من هنا، لا يكون المجتمع المدني بديلا عن مؤسسات الدولة ولا مقاولا لتنفيذ مشاريعها، بل قطاعا ثالثا يشغل المساحة بين الدولة والسوق والمواطن؛ ينقل احتياجات المجتمع إلى المجال العام، ويسهم في اختبار السياسات وتصويبها، ويبني قنوات الثقة والمساءلة والمشاركة. وما يمنح هذا الدور وزنا إضافيا أن القطاع المدني السوري لا يدخل المرحلة الجديدة من نقطة الصفر، بل يحمل معه خبرة مؤسسية وميدانية تراكمت خلال أكثر من عقد.

فقد استوعب هذا القطاع كفاءات غادرت مؤسسات الدولة أو تعذر عليها الاستمرار ضمن منظومة النظام السابق، وفي الوقت نفسه أسهم في تكوين جيل مهني جديد نشأ داخل المنظمات السورية والدولية. وعلى مدى سنوات، تلقى العاملون فيه تدريبا وتأهيلا ودعما مؤسسيا عبر برامج موّلتها الأمم المتحدة وجهات التعاون والتنمية الأميركية والألمانية وغيرها، في الإدارة والحوكمة والتخطيط الاستراتيجي وإدارة المشاريع والمساءلة وبناء السلام والتنمية المحلية. ويعطي برنامج التمكين المدني التابع لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي مؤشرا على حجم هذا الاستثمار؛ إذ عمل وحده على بناء قدرات 446 منظمة سورية، وشارك في تدريباته 3,826 من العاملين والإداريين والمتطوعين. لذلك لا نتحدث عن خبرة مؤقتة أفرزتها الحرب، بل عن رأس مال بشري وطني راكم معرفة بالمؤسسات والمجتمعات، وإهداره اليوم يعني أن تبدأ الدولة الجديدة من الصفر في مجالات تمتلك سوريا بالفعل كفاءات أمضت سنوات في بنائها.

وخلف هذه الأرقام رأس مال بشري وطني تشكّل على مدى أكثر من عقد؛ واختزاله في «خبرة منظمات» تنتهي بانتهاء الحرب يعني إهدار كفاءات تحتاجها سوريا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

لذلك، حين تناقش دير الزور أولويات إعادة الإعمار أو الزراعة أو التعليم أو الإدارة المحلية، ينبغي ألا يُستدعى المجتمع المدني في نهاية الطاولة لتنفيذ ما قرره الآخرون، بل أن يكون حاضرًا في بدايتها، حين تُعرَّف المشكلة، وتُحدَّد الأولويات، وتُصاغ الحلول. ليس لأنه أقدر من الدولة على الحكم، بل لأنه راكم معرفة بالمجتمع لا ينبغي للدولة الجديدة أن تبدأ من الصفر في اكتسابها.

وهنا تظهر المفارقة: نطالب المجتمع المدني اليوم بدور أكبر في بناء الدولة، في الوقت الذي تواجه فيه منظمات محلية خطر الانكماش أو الإغلاق مع تراجع التمويل وتغير خريطة المانحين. وإذا اختفت المؤسسات التي راكمت هذه المعرفة، فلن نخسر منفذي مشاريع فحسب، بل سنفقد جزءا من الذاكرة المؤسسية والخبرة المحلية التي تحتاج إليها المرحلة الانتقالية نفسها.

لهذا، فالقضية أبعد من عدد المنظمات التي ستبقى، أو المشاريع التي ستنفذها؛ إنها تتعلق بالمكان الذي ستمنحه سوريا الجديدة للقطاع الثالث في بناء الدولة والمجال العام.

فالدولة تستطيع إعادة فتح المؤسسات بقرار، وإعادة الموظفين بمرسوم، وإعادة بناء الطريق بمناقصة؛ لكنها لا تستطيع إعادة بناء الثقة بالطريقة نفسها.

وهنا يكمن السؤال الأصعب: إذا كانت مهمة المجتمع المدني بالأمس أن يسد الفراغ الذي خلّفه غياب الدولة، فمن سيسد اليوم المسافة بين الدولة والمواطن، ويجسر الهوة بين المجتمعات المحلية نفسها، إذا أضعفنا المؤسسات التي تعرف الطرفين؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني