بعد 13 عاماً على مجزرة الغوطتين.. الأسلحة الكيميائية تعود إلى واجهة المساءلة في سوريا

0 16
أدلة جديدة تكشف جوانب من برنامج النظام السابق الكيميائي، وتفتح أمام العدالة السورية والدولية مسارات لحفظ الأدلة وملاحقة المسؤولين وجبر ضرر الضحايا.

دمشق، 21 آب/أغسطس 2026، بعد ثلاثة عشر عاماً على الهجوم الكيميائي الذي هزّ الغوطتين الشرقية والغربية في ريف دمشق، لا تزال آثار تلك الليلة حاضرة في ذاكرة الناجين وعائلات الضحايا، فيما تفتح التطورات الأخيرة المتعلقة بكشف أجزاء من البرنامج الكيميائي للنظام السابق نافذة جديدة أمام مسارات المساءلة.

وبحسب توثيق الشبكة السورية لحقوق الإنسان، قُتل ما لا يقل عن 1,144 شخصاً وأصيب نحو 5,935 آخرين في الهجوم بغاز السارين الذي وقع فجر 21 آب/أغسطس 2013، في واحدة من أكبر الهجمات الكيميائية في سوريا منذ اندلاع الثورة السورية.

وتقول الشبكة إن الهجوم نُفذ عبر أربع ضربات كيميائية متزامنة استهدفت مناطق مأهولة في الغوطتين الشرقية والغربية، بينها معضمية الشام، باستخدام ما لا يقل عن عشرة صواريخ محملة بغاز السارين، وبكمية إجمالية قدرتها بنحو 200 لتر.

وقع الهجوم بعد منتصف الليل، في ظروف جوية ساعدت على بقاء الغازات السامة قريبة من سطح الأرض، ما أدى إلى ارتفاع أعداد الضحايا، ولا سيما بين المدنيين الذين كانوا نائمين داخل منازلهم.

وكانت المناطق المستهدفة تعاني في ذلك الوقت حصاراً شديداً، ما حدّ من قدرة السكان على الوصول إلى العلاج والإمدادات الطبية والإنسانية اللازمة للاستجابة للكارثة.

الأمم المتحدة أثبتت استخدام السارين.. لا تحديد للفاعل:

خلصت بعثة الأمم المتحدة للتحقيق في مزاعم استخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا، في تقريرها الصادر في 16 أيلول/سبتمبر 2013، إلى أن صواريخ أرض-أرض محملة بغاز السارين استُخدمت على نطاق واسع ضد المدنيين في منطقة الغوطة.

لكن تفويض البعثة كان تقنياً، ولم يشمل تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم.

وتنسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان الهجوم إلى قوات النظام السابق، استناداً إلى أدلة تقول إنها جمعتها بصورة مستقلة وتتقاطع مع النتائج التقنية التي توصلت إليها الأمم المتحدة.

ومع ذلك، تميّز الشبكة بين إسناد الهجوم إلى جهة عسكرية وبين إثبات المسؤولية الجنائية الفردية؛ فالأخيرة تحتاج إلى تحقيقات مستقلة وأدلة قابلة للإثبات أمام محكمة مختصة، مع احترام قرينة البراءة وضمانات المحاكمة العادلة.

وتقول الشبكة إن حصيلة الضحايا التي وثقتها تمثل الحد الأدنى للحالات التي أمكن التحقق منها بصورة فردية، مشيرة إلى أن العدد الحقيقي قد يكون أكبر.

ويشكّل قتلى هجوم الغوطتين، وفق بياناتها، نحو 76 في المئة من إجمالي ضحايا الهجمات الكيميائية التي وثقتها ونسبتها إلى قوات النظام السابق خلال الفترة الممتدة من كانون الأول/ديسمبر 2012 حتى أيار/مايو 2019.

222 هجوماً كيميائياً:

لا تنظر الشبكة إلى مجزرة الغوطتين باعتبارها حادثة منفردة، بل جزءاً من نمط أوسع.

فهي تقول إنها وثقت 222 هجوماً كيميائياً في سوريا منذ أول استخدام موثق للأسلحة الكيميائية في 23 كانون الأول/ديسمبر 2012 وحتى 8 كانون الأول/ديسمبر 2024.

وتنسب الشبكة 217 هجوماً، أي نحو 98 في المئة، إلى قوات النظام السابق، وأسفرت هذه الهجمات، وفق توثيقها، عن مقتل 1,514 شخصاً، بينهم 1,413 مدنياً، من بينهم 214 طفلاً و262 سيدة، وإصابة 11,080 شخصاً.

كما وثقت خمس هجمات نفذها تنظيم داعش، جميعها في محافظة حلب، وأدت إلى إصابة 132 شخصاً.

والأكثر دلالة أن الهجمات استمرت بعد صدور قرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأسلحة الكيميائية؛ إذ وثقت الشبكة 184 هجوماً بعد صدور القرار 2118 في أيلول/سبتمبر 2013، من بينها عشرات الهجمات بعد قراري مجلس الأمن 2209 و2235.

أدلة جديدة.. ومسؤولية جديدة:

خلال الفترة بين آب/أغسطس 2025 وآب/أغسطس 2026، أتاح التحول السياسي في سوريا، بحسب المعلومات التي أوردتها الشبكة، لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية وصولاً أوسع إلى مواقع ووثائق ومعلومات مرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام السابق.

وفي 22 كانون الثاني/يناير 2026، خلص فريق التحقيق وتحديد الهوية التابع للمنظمة، وفق معيار «وجود أسباب معقولة للاعتقاد»، إلى أن القوات الجوية التابعة للنظام السابق نفذت الهجوم الكيميائي على كفرزيتا في محافظة حماة في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2016.

كما أشارت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية والأمم المتحدة إلى وجود أكثر من 100 موقع يحتمل ارتباطها بأنشطة البرنامج الكيميائي السابق، إضافة إلى مواقع لم تكن مدرجة في الإعلانات الرسمية السابقة.

وفي أيار/مايو 2026، عثر خبراء المنظمة على ذخائر ومواد ومعدات ووثائق غير معلنة مرتبطة بالبرنامج الكيميائي. ومن بين ما عُثر عليه صواريخ من النوع ذاته المستخدم في هجوم الغوطتين، من دون أن يعني ذلك إثبات أن هذه الصواريخ تحديداً استخدمت في هجوم 21 آب/أغسطس 2013.

وهنا تصبح حماية الأدلة أولوية لا تقل أهمية عن اكتشافها.

فالمواد والوثائق والمواقع التي يتم العثور عليها اليوم يمكن أن تصبح غداً جزءاً من ملفات قضائية، لكن قيمتها الإثباتية قد تضيع إذا لم تُجمع وتحفظ وفق إجراءات دقيقة، وبسلسلة حيازة موثقة.

من التوثيق إلى العدالة:

ترى الشبكة أن الأدلة المتراكمة والنتائج التي توصلت إليها الآليات الدولية تشير إلى وجود عناصر سياقية يمكن أن تدخل في إطار الجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى جرائم حرب تتعلق باستخدام السموم والأسلحة السامة والغازات الخانقة واستهداف المدنيين.

لكن هذا التوصيف لا يمثل حكماً قضائياً، ولا يحدد بمفرده المسؤولية الجنائية للأفراد.

وهذه نقطة جوهرية في أي مسار عدالة: إثبات وقوع الجريمة شيء، وإثبات مسؤولية شخص محدد عنها شيء آخر.

ومن الناحية القانونية، كان استخدام الأسلحة السامة والغازات الخانقة محظوراً بموجب قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي وبروتوكول جنيف لعام 1925 الذي انضمت إليه سوريا عام 1968.

أما اتفاقية الأسلحة الكيميائية، فقد دخلت حيز النفاذ بالنسبة إلى سوريا في 14 تشرين الأول/أكتوبر 2013، أي بعد هجوم الغوطتين، ولذلك لا ينسب خرق هجوم الغوطتين إلى الاتفاقية نفسها، بينما تخضع الهجمات اللاحقة لالتزامات سوريا بموجبها.

الضحايا في قلب المساءلة:

بعد ثلاثة عشر عاماً، لا تختزل القضية في أرقام القتلى والجرحى.

فالناجون وعائلات الضحايا ما زالوا يواجهون آثاراً صحية ونفسية واجتماعية، بينها الأمراض المزمنة والاضطرابات النفسية وفقدان المعيلين والتهجير القسري.

ولهذا، فإن العدالة لا ينبغي أن تنتهي عند تحديد المسؤولين أو إصدار الأحكام، بل يجب أن تشمل جبر الضرر، والعلاج وإعادة التأهيل، والدعم النفسي والاجتماعي، وضمانات عدم التكرار.

وتدعو الشبكة السورية لحقوق الإنسان الحكومة السورية الحالية إلى التعاون الكامل والقابل للتحقق مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية، وتأمين الوصول إلى المواقع والأرشيفات والأشخاص المرتبطين بالبرنامج الكيميائي، وحفظ الأدلة ضمن سلسلة حيازة موثقة، وإدماج ملف الهجمات الكيميائية في مسارات العدالة الانتقالية.

كما تدعو إلى اعتماد 21 آب/أغسطس يوماً وطنياً لإحياء ذكرى ضحايا الهجمات الكيميائية.

وعلى المستوى الدولي، تدعو الشبكة إلى مواصلة العمل الميداني، وتعزيز التنسيق بين منظمة حظر الأسلحة الكيميائية وآليات التحقيق التابعة للأمم المتحدة، وتخصيص موارد إضافية للتحقيق في المسؤولية عن الهجمات.

كما تدعو مجلس الأمن إلى بحث إحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، والدول التي تسمح قوانينها بذلك إلى ممارسة الولاية القضائية العالمية بحق الأشخاص المشتبه بتورطهم في تطوير الأسلحة الكيميائية أو إنتاجها أو استخدامها.

ثلاث عشرة سنة.. والسؤال ما زال مفتوحاً:

لم تعد قضية الغوطتين مجرد ملف من ملفات الحرب السورية؛ إنها اختبار لقدرة سوريا الجديدة على تحويل ذاكرة الضحايا إلى أدلة، والأدلة إلى تحقيقات، والتحقيقات إلى محاكمات عادلة، والمحاكمات إلى عدالة حقيقية.

فما جرى في الغوطة لا يمكن تغييره، لكن يمكن منع أن يصبح النسيان جريمة ثانية بحق الضحايا.

وبعد أن بدأت تتكشف مواقع ووثائق ومواد مرتبطة بالبرنامج الكيميائي للنظام السابق، فإن السؤال لم يعد فقط: من استخدم السلاح الكيميائي؟

بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع سوريا الجديدة أن تحافظ على هذه الأدلة قبل أن تضيع، وأن تحولها إلى مسار قضائي مستقل يحاسب المسؤولين، وينصف الضحايا، ويضمن ألا يحمل أطفال سوريا في المستقبل خوفاً جديداً من أن تتحول الأسلحة المحظورة إلى أدوات للسلطة من جديد؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني