
ما بعد الإعلان عن حل قسد
لا شك أن إعلان مظلوم عبدي يشكل خطوة هامة وموقفاً مميزاً يضع خارطة طريق لاستعادة وحدة الأراضي السورية ووحدة مؤسساتها الأمنية والإدارية في المناطق التي كانت تعرف بالإدارة الذاتية.
ويجب على كل مواطن من أبناء هذه المناطق أن يحرص على دعم هذا المسار الذي يعمل على استعادة السلم الأهلي والتعايش بين أبناء هذه المناطق كمفتاح لإطلاق عجلة التنمية واستعادة دور مناطقنا في دفع الاقتصاد السوري، والذي يجب أن ينعكس على سكان هذه المناطق، التي همّشها النظام الساقط مدة نصف قرن. وأنهكتها الحروب وهيمنة قوى الأمر الواقع التي خطفت قرار مكوناتها وتركته بأيدي أمراء الحروب.
ورغم أهمية هذه الخطة إلا أنّ الاندماج والعودة للتعايش يجب ألا يأخذ شكل جوائز ترضية للمتحاورين والموقعين، بل يجب أن ينعكس على الحواضن الشعبية وفعاليات المجتمع وهذا يتطلب تحييد المتطرفين من كل المكونات، الذين مازالوا يجترون الماضي ويتمسكون بالأحلام غير الواقعية، التي دفعت المنطقة لدفع ثمنٍ غالٍ من شبابها وهجرة عائلات كثيرة، وترك جروحاً عميقة تحتاج لحكماء من كل الأطراف لدملها.
كما أنه من الأهم أن يُطوى ملف التعامل مع ما جرى بالتصنيف الطائفي والإثني والعشائري، الذي يبقى قنابل موقوتة يفجّرها الخاسرون والَمغامرون، الذين كانوا يعتاشون على الاتجار بها.
والحل الوحيد للتخلص من هذه الآفات التي مزّقت النسيج الاجتماعي السوري هو إطلاق الحياة السياسية والإسراع بإصدار قانون للأحزاب الوطنية الجامعة، التي تضمّ الأشخاص على مقياس البرامج الوطنية الواسعة وليس على النظرة الطائفية أو القومية الضيقة وغيابها ترك الفرصة للطوائف والإثنيات والعشائر بأخذ دورها.
والكل أصبح يدرك أن مرحلة التصحر السياسي التي رسخها النظام الساقط يجب أن تنتهي، وأن الدول الراقية تطلق الحياة السياسية بواسطة الأحزاب التي تلعب دوراً محورياً في ترسيخ النظام الديمقراطي وثقافة التداول على السلطة ومبدأ قبول الآخر. وكل تأخير بإطلاق هذا المسار سيدفع الوضع إلى حالة المحاصصة على الطريقة العراقية الفاشلة، وتبقى الوحدة الوطنية في حالة عدم استقرار ورهينة التوافقات وخاضعة لابتزاز بعضهم.
إن سوريا الجديدة التي قامت من أجلها ثورة 2011 أهم أهدافها هي استعادة الوحدة الوطنية وحرية التعبير والتجمع ضمن الإطار الوطني الجامع.
فثورتنا لم تكن ايديولوجية ولا طائفية بل حاربت التوجهات الطائفية والإثنية ولا طبقية. بل كانت ثورة شعب يطمح لتحويل سوريا من مزرعة لعائلة مارقة وحاضنة لصوص إلى دولة مواطنة كاملة يتساوى فيها الجميع بالحقوق والواجبات، وتحفظ مصالح كل المكونات في إطار الوحدة الوطنية، واعتبار التنوع ثراء وليس مصدر خلاف.
غير أن هذا النهج المعمول به مكرهاً لخصوصية المرحلة إذا استمر لن يحقق أهداف الثورة التي قدم خلالها الشعب السوري أغلى التضحيات، بل ستؤدي إلى استنساخ النظام البائد بتسميات جديدة.
ثقتنا بالنهج الحالي الذي يقوده الرئيس الشرع مازالت قائمة على أن يتقبل النقد الموضوعي وعلى ألا يتجاهل الأصوات العاقلة، ويجب أن يبنى شراكات مع كل القوى والتجمعات والشخصيات الوطنية الفاعلة.
فسوريا وطن الجميع والجميع مسؤول عن المشاركة في استعادة دورها.