بعد سقوط النظام.. حقوق الإنسان تختبر قدرة سوريا على بناء دولة القانون

0 14

في أولى مراحل الانتقال السياسي، لا يُقاس نجاح الدول الخارجة من الاستبداد بسقوط السلطة القديمة فقط، بل بقدرتها على منع إعادة إنتاج الظلم تحت عناوين جديدة. وبين أنقاض الحرب وذاكرة الضحايا، تقف سوريا أمام اختبار تاريخي: هل تتحول مرحلة ما بعد النظام إلى مشروع دولة عادلة، أم إلى دورة جديدة من الانتهاكات والانقسامات؟

لم تعد قضية حقوق الإنسان في سوريا مرتبطة فقط بجرائم الماضي، رغم ضخامة حجمها واتساع آثارها، بل أصبحت مرتبطة بشكل مباشر بمستقبل الدولة نفسها. فالمجتمعات التي تخرج من عقود القمع لا تُبنى بمجرد تغيير سياسي، وإنما تحتاج إلى إعادة تأسيس العلاقة بين المواطن والمؤسسات، على قاعدة القانون والمساءلة والمساواة.

هذا ما حمله اللقاء الذي جمع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش مع ممثلي منظمات المجتمع المدني السوري، حيث وضعت قضايا العدالة الانتقالية وحماية المدنيين وإصلاح المؤسسات في صلب النقاش حول مستقبل سوريا.

سقوط النظام ليس نهاية الانتهاكات:

أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني خلال اللقاء أن سقوط نظام بشار الأسد في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024 يمثل تحولًا تاريخيًا أنهى حقبة من الحكم الاستبدادي المسؤول عن انتهاكات واسعة ومنهجية بحق السوريين.

لكن الرسالة الأهم التي حملتها المداخلة تتمثل في أن سقوط النظام السابق لا يعني تلقائيًا انتهاء الانتهاكات.

فالتجارب الدولية أثبتت أن مرحلة ما بعد سقوط الأنظمة الاستبدادية قد تكون الأكثر حساسية، لأن ضعف المؤسسات وانتشار السلاح وغياب آليات الرقابة يمكن أن يؤدي إلى استمرار الانتهاكات حتى بعد تغير السلطة السياسية.

ولهذا فإن التحدي الحقيقي أمام سوريا الجديدة ليس فقط محاسبة الماضي، بل ضمان ألا يتحول المستقبل إلى نسخة أخرى من الماضي بأدوات مختلفة.

العدالة الانتقالية بين المحاسبة وخطر الانتقام:

من أخطر القضايا التي تواجه المجتمعات الخارجة من النزاعات كيفية تحقيق العدالة دون الانزلاق إلى الانتقام.

فالضحايا السوريون يملكون حقًا مشروعًا في معرفة الحقيقة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات، وإنصاف آلاف العائلات التي فقدت أبناءها أو تعرضت للاعتقال والتعذيب والتهجير.

لكن العدالة لا يمكن أن تكون جماعية أو انتقائية.

إن تحميل جماعة كاملة مسؤولية أفعال أفراد، أو تحويل المحاسبة إلى عقاب جماعي، يمثل خطرًا على السلم الأهلي ويعيد إنتاج منطق الظلم الذي عانى منه السوريون لعقود.

فالعدالة الحقيقية تقوم على المسؤولية الفردية، حيث يحاسب من ارتكب الجريمة بسبب فعله، لا بسبب انتمائه.

وهنا تكمن أهمية بناء قضاء مستقل قادر على الفصل بين الحق والانتقام، وبين المحاسبة والثأر.

السلاح والألغام.. تهديد مستمر لحياة السوريين:

رغم انتهاء مرحلة واسعة من الصراع المسلح، فإن آثار الحرب ما تزال حاضرة في حياة السوريين اليومية.

انتشار السلاح خارج إطار الدولة، ومخلفات الحرب والألغام، تمثل تحديًا أمنيًا وإنسانيًا كبيرًا، حيث تستمر في تهديد المدنيين وتعطيل عودة الحياة الطبيعية إلى مناطق واسعة.

فالألغام لا تقتل فقط، بل تمنع عودة النازحين، وتعطل الزراعة، وتحرم الأطفال من الوصول إلى مدارسهم، وتحول مناطق كاملة إلى مساحات خوف وعدم يقين.

لذلك فإن إزالة مخلفات الحرب ليست مجرد مهمة تقنية، بل جزء أساسي من إعادة بناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بها.

الدولة الجديدة أمام اختبار المؤسسات:

إن بناء سوريا المستقبل لن يتحقق فقط عبر الخطابات السياسية، وإنما عبر إصلاح عميق للمؤسسات التي يفترض أن تحمي المواطن.

ويأتي في مقدمة ذلك إصلاح أجهزة الأمن، وتعزيز استقلال القضاء، وضمان أن تكون المؤسسات خاضعة للقانون لا للأفراد أو الولاءات السياسية.

فالدولة التي لا يستطيع المواطن فيها الوصول إلى العدالة، أو يشعر أن حقوقه مرتبطة بقوته أو انتمائه، تبقى دولة ضعيفة مهما امتلكت من شعارات.

ولهذا فإن المرحلة الانتقالية تحتاج إلى بناء مؤسسات جديدة تقوم على الثقة والشفافية والمحاسبة.

الضحايا في قلب عملية بناء المستقبل:

من أهم الرسائل التي حملتها المداخلة ضرورة إشراك الضحايا وعائلات المفقودين في مسار العدالة الانتقالية.

فالضحايا ليسوا مجرد أرقام في تقارير حقوقية، بل هم أصحاب حق في صياغة مستقبل بلدهم.

أي عملية سياسية أو قانونية تتجاهل أصواتهم ستكون ناقصة، لأنها تفصل بناء الدولة عن جوهر القضية السورية: الإنسان وكرامته.

كما أن حماية المقابر الجماعية والأرشيفات والأدلة تمثل مسؤولية وطنية وتاريخية، لأنها تحفظ الحقيقة للأجيال القادمة وتمنع إنكار الجرائم أو إعادة تفسيرها وفق مصالح سياسية.

القانون الدولي أمام اختبار المصداقية:

تطرقت المداخلة أيضًا إلى الانتهاكات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، بما في ذلك عمليات التوغل والاعتقال والاعتداء على المدنيين والمنشآت المدنية.

وتبرز هنا أهمية تطبيق القانون الدولي بمعايير واحدة، بعيدًا عن الحسابات السياسية.

فحماية المدنيين والسيادة الوطنية لا ينبغي أن تكون قضية انتقائية، لأن ازدواجية المعايير تضعف منظومة حقوق الإنسان نفسها وتفقدها قدرتها على حماية الشعوب.

الأمم المتحدة ودورها في المرحلة القادمة:

تحتاج سوريا في المرحلة الانتقالية إلى دعم دولي يركز على بناء المؤسسات لا على إدارة الأزمات فقط.

فالمساعدة الحقيقية لا تكمن في تقديم حلول مؤقتة، بل في دعم القضاء، وإزالة آثار الحرب، وتعزيز سيادة القانون، وضمان مشاركة المجتمع المدني والضحايا في رسم مستقبل البلاد.

إن سوريا أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة على أسس مختلفة عن الماضي، لكن هذه الفرصة لن تنجح إذا لم تتحول حقوق الإنسان من خطاب سياسي إلى ممارسة يومية.

فالسؤال الأكبر الذي يواجه السوريين والمجتمع الدولي اليوم ليس فقط: كيف انتهى النظام السابق؟

بل: هل تستطيع سوريا أن تبني دولة لا يحتاج فيها المواطن إلى الخوف من السلطة كي يعيش بكرامة؟

رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الالكتروني